مدفع خوشقدم
Sep ١٧, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
طوال أيام شهر رمضان الفضيل عندما يجلس المصريون على مائدة الأفطار تتعلق آذانهم بصوت المذياع و تصوب أبصارهم تجاه التلفاز الوطني ليستمعوا الى المذيع وهو يُعلن «مدفع الإفطار.. اضرب» ساعتها ينطلق
هدي امام مراسلتنا في القاهرة طوال أيام شهر رمضان الفضيل عندما يجلس المصريون على مائدة الأفطار تتعلق آذانهم بصوت المذياع و تصوب أبصارهم تجاه التلفاز الوطني ليستمعوا الى المذيع وهو يُعلن «مدفع الإفطار.. اضرب» ساعتها ينطلق المدفع، ويتلوه مباشرة صوت المؤذن " الله أكبر الله أكبر "إيذانا ً بحلول موعد الإفطار أو صلاة المغرب، أما سكان العاصمة المصرية " القاهرة " أو غالبيتهم على الأقل فيستمعون مباشرة لأنطلاق هذا المدفع. وعبارة( مدفع الأفطار أضرب) عبارة شهيرة ترتبط في أذهان أبناء الكنانة بلحظة الإفطار في رمضان، وبخاصة إذا ما تلاها صوت الأذان للشيخ محمد رفعت - يرحمه الله - وهو من كبار المقرئيين للقرآن والذين حفروا في أذهان ابناء مصر بأصواتهم العذبة والمفعمة بالأيمان والوضوح الشديد في التلاوة. • تاريخ تلك السُنة ووفقا لما جاء في كتب التاريخ مثل الطبري ثمة أكثر من رواية تتعلق بتاريخ معرفة الناس في مصر بتلك السُنة، سُنة أطلاق مدفع الأفطار ففي عام 859 هـ كان يتولى الحكم في مصر والي عثماني يدعى "خوشقدم" . وكان جنوده يقومون باختبار مدفع جديد بقلعة صلاح الدين الأيوبي جاء هدية للسلطان من أحد أصدقائه الألمان. وكان الاختبار يتم أيضا وقت أذان المغرب في أحد أيام شهر رمضان، فظن المصريون أن السلطان استحدث تلك السُنة الجديدة لإبلاغ المصريين بموعد الإفطار وبعد أن توقف المدفع عن الإطلاق ذهب العلماء والأعيان لمقابلة السلطان لطلب استمرار عمل المدفع في رمضان فلم يجدوه. فقابلوا زوجة السلطان التي كانت تدعى الحاجة فاطمة التي تولت نقل طلبهم للوالي الذي وافق بدوره على طلب المصريين. ومنذ ذلك الحين أطلق الاهالي على المدفع اسم الحاجة فاطمة، وهو الاسم الذي اقترن بالمدفع حتى يومنا هذا. ومن هنا تعتبر مدينة القاهرة أول مدينة إسلامية أطلقت المدفع عند الغروب إيذاناً بالإفطار في شهر رمضان، وتناقلت عنها مدن أسلامية وعربية متعددة تلك السُنة ،وإذا كانت تلك الرواية تعيد فضل المدفع إلى الوالي خوشقدم، فإن رواية أخرى تعيد الفضل إلى عهد الوالي العثماني ايضا محمد علي باشا (1805- 1848م) حين اشترى عددا من القطع المدفعية الحربية في إطار خطته لتحديث وبناء جيش مصري قوي. وفى إحدى الأمسيات الرمضانية تصادف أن تم تجريب أحد هذه المدافع لحظة أذان المغرب، فانطلق صوت المدفع مدويا في نفس هذا الوقت من فوق القلعة التي توجد في مصر القديمة جنوب القاهرة، فتصور الصائمون أن الوالي محمد علي باشا أطلق هذه الطلقة المدفعية للتعبير عن أذان المغرب ووقت الإفطار. وكان لذلك استحسان في نفوس جماهير مدينة القاهرة الذين ارتفعت أيديهم بالدعاء للوالي الذي أمر بتحول إطلاق المدفع بالذخيرة الحية مرتين يوميا وقت الإفطار ووقت السحور، وأصبح ذلك ظاهرة رمضانية مرتبطة بالمصريين كل عام ولم تتوقف إلا خلال فترات الحروب العالمية. • البث الحي في عهد الخديوي إسماعيل تم التفكير في وضع المدفع في مكان مرتفع حتى يصل صوته لأكبر مساحة من القاهرة، واستقر الاختيار على جبل المقطم. وقبل بداية رمضان جرت العادة على إقامة احتفال بالمدفع بخروجه من القلعة محمولاً على عربة ذات عجلات ضخمة، ويعود بعد نهاية شهر رمضان والعيد إلى مخازن القلعة ثانية حيث كان يتم إطلاق 21 طلقة طوال أيام العيد الثلاثة.وهكذا استمر صوت المدفع عنصرا أساسيًا في حياة المصريين الرمضانية من خلال المدفع الذي يعود إلى عصر "محمد علي باشا" إلى أن ظهر الراديو، فتوقف إطلاقه من القلعة في أحيان كثيرة بسبب الحروب التي خاضتها مصر، وإن ظل التسجيل الصوتي له يذاع يوميًا في رمضان عبر أثير الراديو والتليفزيون الى أن قرر وزير الداخلية الأسبق اللواء أحمد رشدي إعادة إطلاق المدفع مرة أخرى من فوق قلعة صلاح الدين الأثرية جنوب القاهرة طوال شهر رمضان في السحور والإفطار فعاد للمدفع دوره ورونقه وتمت عملية بث الإطلاق على الهواء في أذان المغرب. • أعتراض الآثار أعترضت هيئة الآثار المصرية على صوت المدفع و طلبت في بداية التسعينيات من وزارة الداخلية وقف إطلاقه من القلعة خوفًا على المنطقة التي تعد متحفًا مفتوحًا للآثار الإسلامية، إذ تضم قلعة "صلاح الدين الأيوبي" التي بناها عام 1183م، و"الجامع المرمري" الذي بناه "محمد علي" الكبير وفقًا للطراز المعماري العثماني عام 1830م،علاوة على جامعي "السلطان حسن"، و"الرفاعي"، و"متاحف القلعة الأربعة". ووقتها حذرت هيئة الآثار من أن إطلاق المدفع 60 مرة في سحور وإفطار على مدى شهر رمضان و21 طلقة كل أذان في أيام العيد الثلاثة تؤثر على العمر الافتراضي لتلك الآثار بسبب الاهتزازات الناجمة عن إطلاقه، وأستقر الرأي على نقله إلى جبل المقطم مرة أخرى، حيث تم نقل مدفعين من المدافع الثلاثة الباقية من أسرة محمد علي إلى هناك. وتم الإبقاء على المدفع الثالث كمعلم سياحي في ساحة متحف الشرطة بقلعة صلاح الدين يطل من ربوة مرتفعة على القاهرة. الخلاصة على الرغم من النقلة التي احدثتها ثورة المعلومات وما صاحبها من انتشار للفضائيات والأنترنت والأذاعات الرقمية وتقدم وسائل اللأتصالات، وهي ثورة كانت كفيلة بالقضاء على عادة او سُنة "مدفع رمضان" والتي يعتبرها رجال الدين في مصر حميدة، لكون أن تلك الوسائل الأعلامية المتقدمة للغاية كانت كفيلة بأن تؤدي دور مدفع رمضان على أكمل وجه وبصورة تفوقه بالإعلام عن قدوم موعد أذان المغرب والأفطار، إلا أن تعود الناس في هذا البلد على سماع طلقات هذا المدفع العتيق في شهر رمضان تحديدا يجعل للأفطار وللصيام مذاقا ً خاصا ً في حياة الناس بهذا البلد المسلم، لذا تحرص الدولة المصرية ومؤسستها الدينية العريقة ممثلة في الأزهر على مدفع رمضان وتعتبره من الملامح الرسمية لهذا الشهر، ومن هنا لا نستغرب ان تقوم وزارة الثقافة المصرية بتوثيقه في متحف القلعة ويصبح مزارا لكل من يرغب في رؤيته بقلعة صلاح الدين.