حدائق الموت فى مصر
Aug ٢٦, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
لقي 3 أطفال أشقاء في مصر مؤخرا مصرعهم في انفجار لغم من مخلفات الحرب بين مصر والكيان الصهيوني، انفجر فيهم أثناء تواجدهم بحقل في عزبة حنيدق الجبل المتاخمة لقناة السويس جنوب شرق مدينة
هدي امام مراسلتنا من القاهرة لقي 3 أطفال أشقاء في مصر مؤخرا مصرعهم في انفجار لغم من مخلفات الحرب بين مصر والكيان الصهيوني، انفجر فيهم أثناء تواجدهم بحقل في عزبة حنيدق الجبل المتاخمة لقناة السويس جنوب شرق مدينة الإسماعيلية - التي تقع الى الشرق من القاهرة بأقل من ثلاثمائة كيلو متر مربع - فتسبب فى مصرعهم، حيث كان الصغار الثلاثة محمد حسن غريب 15 سنة و شقيقه غريب 12 سنة وعبدالله 10 سنوات قد خرجوا للعب بأحد الاراضى بجوار منزلهم حيث انفجر اللغم بالأطفال بعد أن طرقوه بالحجارة بعنف ظنًا منهم أنه مجرد جسم معدني، ونظرا لأن الحادثة شديدة المأساوية على أسرة الأطفال فلقد توافد عشرات الآلاف من سكان القرى المحيطة بمحافظة الإسماعيلية الذين احتشدوا لتشيع جنازة الأشقاء الثلاثة. تلك الحادثة فجرت بقوة مخاطر الألغام المتواجدة بشكل مكثف بالاراضى المصرية والتي تسببت في مصرع وجرح اكثر من 50 فردا خلال العامين الآخيرين وفقا لتقرير منظمة هيومان رايتس ووتش ودوائر مختصة بالأمم المتحدة. • خريطة الألغام تعاني مصر من مشكلة الألغام الأرضية المضادة للأفراد والدبابات والمنتشرة فى مساحات كبيرة فى منطقة الساحل الشمالى وسيناء، فقد خلفت الحرب العالمية الثانية فى منطقة العلمين جنوب الساحل الشمالى وحتى حدود مصر الغربية ما يقرب من 17.5 مليون لغم تحتل مساحة تزيد على ربع مليون فدان صالحة للزراعة، كما خلفت الحروب التى خاضتها مصر مع قوات الاحتلال الصهيونى ما يقرب من 5.5 مليون لغم فى سيناء و الصحراء الشرقية، وحسب الإحصاءات الرسمية يوجد في مصر حالياً حوالي 21.800 مليون لغم بعدما كان 23 مليون لغم، وذلك بعد نجاح القوات المسلحة المصرية منذ عام 1995 فى إزالة ما يقرب من 1.2 مليون لغم. • الأثار السلبية مما لا شك فيه أن وجود هذا العدد الهائل من الألغام يتسبب فى إعاقة العديد من مشروعات التنمية السياحية فى الصحراء الشرقية المطلة على شواطئ البحر الأحمر وسيناء وإرتفاع تكلفة المشاريع التى تقام بهذه المناطق لإرتفاع تكاليف تطهيرها من الألغام، كما أنه يعوق عمليات التنمية الصناعية وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة وتمتد المشكلة الى إعاقة عمليات التنمية الزراعية فى بعض مناطق سهل الطينية و بالوظة وشمال سيناء وتتسبب الألغام في تعطيل عمليات التنقيب عن البترول. أما في الصحراء الغربية فأن وجود الالغام يعطل زراعة مساحات شاسعة من الأراضى الصالحة للزراعة مثل مناطق الحمام والعلمين، كما تعطل الألغام إقامة مشروعات التنمية فى الساحل الشمالى وبعض مناطق مرسى مطروح. وتتسبب الالغام ايضا في تعطيل مشروعات منخفض القطارة كأحد المشروعات العملاقة لتوليد الطاقة بسبب اعتراض الألغام لطريق القناة. • عوائق وصعوبات تتعدد أنواع الألغام التى زرعتها قوات الحلفاء والمحور فى صحراء مصر الغربية خلال الحرب العالمية الثانية فمنها المضادة للأفراد ومنها المضادة للدبابات، ويترتب على ذلك تداعيات خطيرة على البيئات المصرية المحيطة ومن اهمها مشكلات تحريك الألغام من اماكنها بسبب الكثبان الرملية، والتغيرات المناخية على مدى نصف قرن، ومشكلات حساسية الألغام للإنفجار بسبب تقادمها أو بسبب العوامل الجوية. ولعل من اخطر المشكلات التي تواجه الجهات المصرية المعنية هو إختفاء أو عدم وجود خرائط لهذه الألغام، وعدم وجود طرق ممهدة للمناطق الملغومة، وعدم توافر معدات حديثة متقدمة تكنولوجياً لإستخدامها فى عملية إزالة الألغام، الى جانب عدم توفر التكلفة المالية التي تحتاجها عملية إزالة 23 مليون لغم، وضخامة الأعباء البشرية المرتبطة بعملية إزالة الألغام وأيضا عدم وجود العدد الكافى من الخبراء هذا الى جانب عدم إدراج مصر على خريطة العمل الدولية لمكافحة الألغام. • جهود الإزالة لم تترك مصر مؤتمرا دوليا خاصا بالألغام إلا وطالبت الدول التى زرعت الألغام فى أراضيها بتحمل مسئولية إزالتها وتقديم الخرائط وسجلات حقول الألغام ومواقعها، وذلك خلال أجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993 وأيضا خلال مؤتمر نزع السلاح بجنييف 1996. كما طالبت مصر بنزع الإلغام أيضا في اللقاء الذى تم بين وزير الدفاع المصري ونظيره الألمانى فى مارس 1998، والذى أبدت فيه ألمانيا استعدادها لتقديم المساعدة التكنولوجية والمالية لإزالة الألغام، وقدمت ألمانيا لمصر 110 جهاز للكشف عن الألغام فى أكتوبر 1998. أما وزارة الدفاع المصرية فقد أصدرت كتابا بعنوان: "القتلة الحديدين Iron Killers " والذى كان بمثابة توعية عالمية بمشكلة الألغام فى مصر. كما تم طرح موضوع الألغام فى مصر من خلال مناقشات لجنة التعليم والبحث العلمى بمجلس الشعب، ولا تزال وزارة الخارجية المصرية تقوم بجهد وافر في الاتصال بالدول المعنية، وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا، ومطالبتها بتقديم مساعدات وأجهزة ومنح تدريبية لإزالة الألغام. • أتفاقية اوتاوا على الرغم من أن مصر لم توقع على إتفاقية اوتاوا لحظر استخدام ونقل وتخزين وإنتاج الألغام المضادة للأفراد فى ديسمبر 1997 إلا إنها ساندت من حيث المبدأ الهدف من هذه الاتفاقية.. وقد سبق وشاركت مصر فى كل المراحل التمهيدية السابقة على توقيع الإتفاقية. وقد طالبت مصر فى اجتماعات الخبراء لمناقشة مشروع الإتفاقية فى أوسلو فى سبتمبر 1997.. بمزيد من الضغط الدولي لدفع الدول التي شاركت في معارك الحرب العالمية الثانية على أرض مصر، إلى تقديم خرائط الإلغام، وتقديم الدعم الأكبر لإزالتها. ويمكن عرض الموقف المصري من عدم توقيعها على إتفاقية اوتاوا كالآتي: - إن مصر تتفق تماماً مع الهدف الأنسانى للإتفاقية.. إلا أن صعوبة موافقاتها على الأنضمام، يرجع لإنها تعيق مصر عن ممارسة حقها المشروع فى الدفاع عن النفس والحفاظ على أمنها القومى، وكذلك حقها فى الحصول على المساعدات اللازمة لتطهير ألغام تم زرعها فى أراضيها. - مطالبة مصر النظر بعين الأعتبار للطبيعة الجغرافية لها.. حيث الحدود الشاسعة والتى ليس فيها اى موانع تحول دون عمليات التسلل، وقد تلخص مطلب مصر الأمنى فى الحصول على بديل اقتصادي مناسب للألغام.. وقد تم شرح هذا الموقف خلال المراحل التمهيدية لإعداد مشروع الإتفاقية. - إن استفادة مصر من المساحات الملغومة والتى بها ثروات كثيرة مختلفة.. لن تتحقق إلا بتوافر المسئولية الدولية للمساعدة فى تطهير الألغام، ولعل الحملة الدولية لحظر الألغام التى بدأت نشاطها منذ عام 1991، وتدخل الأمم المتحدة بثقلها وامكانياتها من عام 1994 للبحث عن حلول جذرية لهذه المشكلة وما تمخض عن الإهتمام الدولى بها فى توقيع 135 دولة على إتفاقية دولية تحظر وتحرم إستخدام الألغام الأرضية كل ذلك أصبح مدعاة لتحقيق حاجة المجتمع الدولي الملحة لتضافر الجهود الدولية والإقليمية والمحلية لمواجهة هذا الخطر والقضاء عليه. • مكافحة الألغام أساتذة الجامعات والصحفيين والمحاميين والأطباء والمهندسين والكيميائيين قاموا بتأسيس أول مركز فى مصر ومنطقة الشرق الأوسط لمكافحة الألغام وهو منظمة غير حكومية تم تأسيسها فى الثالث من ديسمبر عام 1997، بهدف التعاون مع العديد من المنظمات الدولية والإقليمية والجهات الرسمية التى تعمل فى مجال مكافحة الألغام فى العالم وتقوم مرجعية المركز على قواعد القانون الدولي الإنساني، والإتفاقيات الدولية التى تكافح الألغام، ويعمل المركز على الرصد الجغرافى الدقيق لمواقع الألغام وتحديدها بحواجز وأشارات تحذيرية وتوعية أهالي تلك المناطق بخطر الالغام وكذلك رصد الأعداد الحقيقية لضحايا الألغام من قتلى أو مصابين، وتصنيفهم و تقديم الخدمات القانونية والصحية لضحايا الألغام، وتأهيل المعاقين للأندماج مع باقى أفراد المجتمع، هذا الى جانب تطهير المناطق المصابة بالألغام عبر الأستفادة من الجهود الدولية والرسمية والشعبية المحلية. وقد أسفر جهد المركز عن حصوله على عضوية الحملة الدولية لحظر الألغام.. وعضوية ائتلاف المنظمات غير الحكومية من أجل إنشاء محكمة جنائية دولية. كذلك استطاع المركز إعلان تأسيس الحملة العربية لمكافحة الألغام والمكونة من 13 منظمة غير حكومية. وفي الختام يبقى السؤال المهم .. حول مدى إلتزام الدول التى زرعت ألغاماً فى أراضى الغير مثل الألغام المزروعة فى مصر وتركتها رغم إنتهاء العمليات الحربية؟ وللإجابة على هذا التساؤل أننا نعتقد بوجود إلتزام قوى على عاتق هذه الدول بإزالة وتطهير هذه الألغام للأسباب الآتية: إن الجمعية العامة للأمم المتحدة أيدت مطالبات الدول التى تصيبها أضرار نتيجة لتواجد مخلفات الحروب ومنها الألغام على أراضيها، والتى تطالب بدفع تعويضات لها من الدول المسئولة عن ذلك (القرار 36 / 188 لسنة 1981) والقرار (39/139 لسنة 1984) والقرار (48 / 7 لسنة 1993) والقرار (49 / 215 لسنة 1994). وأيضا" وجود قاعدة من قواعد القانون الدولى العام أو العرفى تقضى بإلزام من وضع الألغام بطريقة تؤثر على حياة المدنيين أو سلامتهم الجسدية .. بإزالة تلك الألغام وتحمل تكاليف إزالتها. وهو إيضاً ما يمكن الاستفادة به من إتفاقية اوتاوا لعام 1997، والتى اعترفت بوجود قواعد يقرها القانون الدولى بخصوص الألغام حيث نصت المادة 20 / 4 من الإتفاقية على أن انسحاب الدولة الطرف من الاتفاقية لا يؤثر بإى طريقة على واجب الدولة فى الاستمرار بالوفاء بالإلتزامات المقررة وفقاً لأى من قواعد القانون الدولى ذات الصلة. وبالنظر إلى واقع مشكلة الألغام الأرضية فى مصر، فإن إزالتها أو تطهيرها كما يرى الخبراء يجب أن يتم عن طريق التعاون بين كل طرف من الأطراف المتحاربة والمسئولة عن زراعة هذه الألغام بغض النظر عن ملكية الأرض المنزرعة فيها و تفعيل التعاون الدولى طبقاً لقواعد القانون الدولى وللإتفاقيات الدولية الى جانب تفعيل دور المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية وغير الحكومية المتخصصة ومدها بالدعم المناسب لممارسة دورها على اكمل وجه هذا بالاضافة إلى ضرورة إنشاء آلية فعالة تقوم بمهمة التنسيق والمتابعة لعمليات إزالة الألغام ومراقبة زرعها إبان النزاعات والحروب.