أربعة وقائع تعذيب تهز مصر
Aug ١٨, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
من خلال قراءاتنا لبحوث ودراسات الخبراء المتابعين لملفات الحقوق الآدمية المتعددة في مصر، نجدهم يقولون صراحة بدون لف او دوران، ان اجهزة الشرطة المصرية تمارس التعذيب على ابناء هذا البلد بشكل
هدى امام مراسلتنا من القاهرة من خلال قراءاتنا لبحوث ودراسات الخبراء المتابعين لملفات الحقوق الآدمية المتعددة في مصر، نجدهم يقولون صراحة بدون لف او دوران، ان اجهزة الشرطة المصرية تمارس التعذيب على ابناء هذا البلد بشكل منظم وممنهج، وتحت مبررات وذرائع مختلفة تتعلق في معظمها بإنتزاع إعترافات من الضحايا على جرائم في الغالب لم يقترفوها، وتشير تلك البحوث والدراسات الى ان القضاء المصري في غالبية الأحيان يقرر الأفراج عن هؤلاء الضحايا بعد أن يتبين له كيدية الإتهامات الموجهة اليهم، وبعد أن يتبين له أن القضايا ملفقة، وغالبا ً ما يتم اعتقال هؤلاء الناس عقب أفراج المحكمة عنهم، وذلك وفق قانون الطواريء المعمول به فى مصر منذ اكثر من ربع قرن، والمدهش هنا ان الحكومة المصرية تؤكد مرارا ً أن قانون الطواريء لن يستخدم الا ضد الأرهاب. أذن هكذا تقول عن التعذيب في مصر تقارير المنظمات الدولية والمحلية العاملة في مجالات الحقوق الآدمية والمشهود لها بمراعاة الدقة والموضوعية، ونذكر منها المنظمتين المصرية والعربية لحقوق الأنسان، وهيومان رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، واللجنة الدولية لمكافحة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، وتلك المنظمات تدعم ما تقوله بالأدلة والوثائق والبراهين، وتخاطب به الحكومة المصرية وتدعوها للتحقيق في وقائع التعذيب، وبدورها في ردودها تنفي الحكومة المصرية عن نفسها تلك الأتهامات، وتصر على ان ما يحدث من انتهاكات هو بمثابة حالات فردية لا أكثر! الا أن ما تقوله الحكومة المصرية لم يعد أي خبير أو متابع أو مهتم بالحريات مقتنعا به، ففي خلال الأسبوعين الماضيين فقط على سبيل المثال لا الحصر برزت بقوة الى سطح الأحداث بالقاهرة اربعة وقائع تعذيب بشعة لمواطنيين افضت ثلاثة وقائع منها الى موت الضحايا، ويجيء بروز تلك الوقائع دون غيرها من وقائع التعذيب الأخرى لتأثيرها على رجل الشارع في مصر، بل وبات لها مردودا دوليا أيضا، وفي وقت تحركت فيه الحكومة المصرية تحت ضغط الرأي العام ومطالبات المنظمات الدولية الحقوقية، وأمرت بأجراء تحقيقات حول تلك الوقائع المنسوبة لرجال الشرطة من قبل الأجهزة القانونية المعنية في مصر، لايزال الرأي العام المصري في حالة غليان غير مسبوقة مشوبة بالغضب العارم تجاه جهاز الشرطة، لاسيما وأن وقائع التعذيب المنسوبة لرجال شرطة كانت بشعة للغاية وطالت المستضعفين ولم تفرق بين طفل او كبير. • صعقوه بالكهرباء! ففي محضر تحقيقات النيابة العامة رقم 8016 لسنة 2007 جنح ادارى مركز المنصورة يقول ابراهيم محمد ابراهيم والذي تم توقيفه مع شقيقه في احد مراكز الشرطة: شاهدتهم يعذبون شقيقي أمام عيني وأمام ١٢٠مسجونا ولم أستطع التحرك، وكنت أصرخ فيهم: «حرام أخويا هايموت في إيديكم»، ولم يسمعني أحد منهم، فيما ضربه المخبر بجنزير على ظهره وأحرقه وكهرب جسده النحيل وهو يصرخ من الألم، وشاهدت أحد الضباط من مركز شرطة المنصورة يركله في صدره، ولم يتحمل محمد الضربة وسقط مغشيا عليه وصرخت وصرخ كل من في السجن، بعد ذلك أعطاه أحد المخبرين حقنة وبعد دقائق عاد لوعيه ولكنه كان في حالة سيئة، ونزف دما من فمه «وكان شكله بيموت» وظل على هذا الوضع عدة أيام، ولما بدأت حالته تتدهور أخذوه ثم عادوا به. بعد إجراء عملية له في صدره لكنه لم يتحسن، وأخذوه مرة ثانية ولم أعرف عنه أي شيء بعدها، ولما سألت عليه قالوا «خرج وراح البيت»، الا أنني فوجئت بهم يبلغوني بأنهم قرروا أطلاق سراحي ويصطحبونني مع جثة اخي والذي علمت بعد ذلك انه توفي لكي نذهب الى بلدتنا، وهناك وفي سرية تامة بدون حضور احد من اهلي او والدتي أريتهم مدافن العائلة وقاموا بدفنه، ثم عادوا بي الى مركز الشرطة وفي صباح اليوم التالي اطلقوا سراحي بعد تهديدي بتدمير مستقبلي ان تكلمت عما رأيته من تعذيب لشقيقي. جاءت تلك الكلمات على لسان الشقيق الأكبر للطفل محمد إبراهيم ممدوح «١٢ سنة» والذي لقي حتفه على أيدي رجال الأمن داخل مركز شرطة المنصورة بدلتا مصر المدينة الواقعة الى الشمال من القاهرة بمائتي كيلو متر، وذلك جراء تعرض هذا الطفل اليتيم والمنتمي لأسرة بائسة تعرضه للتعذيب المتواصل داخل المركز المشار اليه على مدار عشرة أيام متصلة، وذلك بعد ان ألقت الشرطة القبض على الطفل البائس ووجهت اليه تهمة سرقة عبوة شاي "50جم" ثمنها جنيه واحد مصري من محل بقالة في المدينة، أثر بلاغ تقدم به لمركز الشرطة صاحب هذا المحل يتهم فيه الطفل محمد بالسرقة، حيث أُحتجز الطفل في داخل المركز وظل رجال الشرطة يعذبونه على مدار ١٠ أيام متصلة. • حطموا رأسه! أما المحضر رقم 7803 لسنة 2007 ادارى مركز المنصورة والمتعلق بمقتل المواطن ناصر احمد عبدالله على يد احد ضباط وافراد نقطة شرطة تلبانة بمركز المنصورة، و كان القتيل ناصر يعمل نجارا ويمتلك ورشة نجارة ولدية اربعة بنات لم يتخطوا سن الطفولة بعد يقول شقيق الضحية عبدالله احمد عبدالله للنيابة ما يلى بالنص (اخبرني احد الجيران ان المباحث ذهبت الى بيت اخويا للقبض عليه، إلا إن أخي ناصر كان موجودا بالصدفة بالقرب من منزل اخي علي فسألهم عايزين ايه قالوا عايزين علي، فقام أحد الضباط من معاوني المباحث بعد ان عرف منه انه شقيق المواطن المطلوب بسبه وشتمه بدون سبب، ولما رفض اخي ناصر تلك الأهانة قاموا بأخذه وتم ضربة بشكل وحشي وسحبه على الارض وخبطه بالايدي وركله بالارجل فى الحيطان، والضابط محمد معوض كان ماسك في يده طفشة خشب وكان بيضرب ناصر بيها فى اماكن متفرقة من جسمه بشكل مستمر وبعضها ضربات على رأسه وخلف اذنه، وفضلوا يضربوا فيه حتى انهم ضربوا دماغة فى "كمرة خرسانية" بالشارع، وظل الضرب مستمرا من البيت لحد العربية الميكروباص التى حضرت فيها القوة، وكمان ضربوه فى العربية وقالوا له "بص من الشباك لأن دي آخر مرة هتشوف الشارع تانى"، وبعدين انا جريت رحت ورا اخويا فى مركز الشرطة وهناك سألت عن ناصر فاخبرونى انه مش موجود، وبعدين سمعت صوت المحاميان شحات احمد طلب واحمد حسين قورة بيقولوا "شيل وانزل بسرعة" وكان معاهم شاب من البلد اسمه اشرف ابو سريع وكانوا شايلين ناصر ونازلين على السلم من الدور الثالث بالقسم، وانا لما شوفت اخويا قلت لهم "اخويا مات يا كفره" وقال الضابط "فوقوه وهاتوه علشان هو بيمثل" وكان اخويا ناصر فاقد الحركة والنطق تماما، واخذنا تاكسى الى مستشفى الطوارئ بالمنصورة وتم عمل اشعة مقطعيه على المخ تبين منها ان هناك نزيف بالمخ وتم عمل عملية جراحية له فى المخ ولكنه توفى). • ألقوه من الشرفة! ومن محافظة المنصورة الواقعة على بعد مائتي كيلومتر بدلتا شمال القاهرة ننتقل الى العمرانية بمحافظة الجيزة وهي احد محافظات القاهرة الكبرى الثلاثة وفي نيابة الجيزة الكلية المختصة نطالع المحضر رقم 33166 لسنة 2007 جنح العمرانية المتعلق بوفاة المواطن ناصر صديق جادالله وورد فيه ما يلي: قامت قوة من افراد قسم شرطة العمرانية باقتحام منزل ناصر والكائن في شارع مجلع روماني بمدينة الزهراء، وقاموا بتحطيم ابواب شقق المنزل للبحث عن ناصر بسبب قيامه بتقديم بلاغ ضد احد زملائهم من امناء الشرطة الذي كان يفرض عليه اتاوة يومية، وفى اثناء اقتحام قوة الشرطة تم سؤال اسرة ناصر عن مكان تواجده ثم قاموا باهانتهم وسبهم وضربهم، وبعد ذلك قاموا بتحطيم باب شقة ناصر وقاموا بتقييد اشقائه حتى لا يستطيعون المقاومة، وبعد ان تمكنوا من الدخول الى شقة ناصر قاموا بتحطيم اثاث الشقة وبعثرة محتوياتها، ثم قاموا بامساكه من قدميه والقائه من الشباك الى الشارع امام زوجته واطفاله الذين اصيبوا بالذعر والفزع، وعندما سأل احد اطفاله وعمره 7 سنوات رجال الشرطة لماذا تلقون بوالدي من الشباك قالوا له "اسكت" وهددوا بالقائه من الشباك مثلما فعلوا بوالده، بعدها هرب افراد الشرطة، وقامت جيهان و جهاد شقيقتي ناصر بأخذه من الشارع بعد سقوطه الى مستشفى ام المصريين في محاولة لإنقاذه إلا انه كان قد فارق الحياه، فقام اهل المجني عليه بالتوجه الى وزارة الداخلية لتقديم شكوى بما حدث حيث تم احالتهم الى مديرية أمن الجيزة وبعدها توجهوا الى نيابة العمرانية لتقديم بلاغ بتلك الواقعة ومعهم الشهود الذين بلغ عددهم 13 فردا، وكان احد امناء الشرطة بقسم العمرانية ينتظر عودة ناصر كل مساء لأخذ مبالغ مالية منه، وفى اخر مرة تم اخذ مبلغ 290 جنيها وجهاز موبايل، وعلى اثر ذلك قام ناصر بتحرير محضر يشكو فيه من امين الشرطة، ونتيجة لذلك جاءت حملة الشرطة التأديبية لمنزله وراح ضحية دفاعه عن حقوقه، ولتلك الواقعة خصوصية لا بد من ان نشير اليها ألا وهي ان المتوفي من الأقباط النصارى، وعلى الرغم من تعاطف المسلمين في منطقته وفي كل مكان معه ومع اسرته، إلا أن احد اقباط المهجر النصارى وأسمه مدحت قلادة ابلغ الرئيس جورج بوش بالواقعة. • حرقوه حيا ً! أما الواقعة التي أثرت في الشارع المصري بقوة ايضا فنترك ملابساتها لتصريح من رأس الإدعاء العام المصري، ففي يوم 30/7 /2007 م اصدر المستشار عبدالمجيد محمود النائب العام المصري بيانا قال فيه إنه يتابع التحقيقات التي تجريها نيابة مرسي مطروح الجزئية بشأن واقعة إشعال ضباط قسم سيوة بمحافظة الوادي الجديد بقلب صحراء مصر الغربية النيران فى أحد المواطنين أثر أتهامه بسرقة كابلات التيار الكهربائي بمنطقة شالي بسيوة مما تسبب عنه قطع الكهرباء عن المنطقة. وقد تم ضبط المتهمين جميعا عدا يحيى عبدالله وعرضهم على النيابة العامة وباستجوابهم فى التحقيقات قرروا باتفاقهم مع المتهم الهارب على سرقة الكابلات واعطائها للمتهم يحيى عبدالله للتصرف فيها بالبيع مستخدما السيارة الخاصة بوالده، فقررت النيابة العامة حبس المتهمين أربعة أيام على ذمة التحقيق. وحضر المتهم الأول الهارب من تلقاء نفسه للنيابة العامة وبسؤاله أنكر ما نسب اليه من إتهام بشأن الاشتراك فى سرقة الكابلات وتبين ان به إصابات نتيجة تعذيب ضابطين وشرطى سري له من قسم الشرطة سيوة لحمله على الإعتراف بسرقة تلك الكابلات بأن قاموا بسكب مادة سريعة الاشتعال على جسده واشعلوا النيران به فأصيب واصطحباه الى احد المراكز الطبية لتلقى العلاج ومكث بها 11 يوما تردد عليه خلالها الضباط وقاموا بتحريضه على السفر الى ليبيا للاختفاء وعدم القبض عليه فى واقعة السرقة، إلا أنه بعد ان ذهب الى ليبيا للعمل عاد من جديد بناء على نصيحة شقيقه وابلغ النيابة والتي قررت عرض المواطن المصاب على مفتش الصحة لبيان ما به من اصابات واعداد تقرير عن حالته الصحية حيث تبين انه مصاب بحروق سطحية من الدرجة الاولى فى منطقة الرقبة والصدر والبطن والذراعين الايمن والايسر مع وجود خلع بالرسغ الايسر. • والخلاصة أن وقائع التعذيب في سجون مصر موثقة وتتواصل بشكل يومي وهو أمر معروف للمعنيين على الصعيدين المحلي والدولي، لكن أكتفينا فقط بالوقائع الأربعة السابقة لكونها جاءت تباعا وبشكل قاسي وغير انساني حرك الرأي العام ضد الحكومة، والتي تصر أن ما يحدث حالات فردية، حيث تتعرض الحكومة المصرية نتيجة لتلك الوقائع المرعبة لأحراج بالغ، وتعمل المعارضة مع قوى المجتمع المدني حاليا على شن حملات اعلامية وسياسية واسعة النطاق ضد رجال الشرطة المتهميين بالتعذيب وضد اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية، وتطلب من الرئيس المصري اقالة وزير الداخلية والتقدم باعتذارا من الرئيس مبارك شخصيا عما حدث للشعب، واصداره قرارا ً بتحريم التعذيب ومنعه ومحاكمة سريعة لمرتكبي تلك الجرائم مع تعويض الضحايا عما حدث، ومن جهتها فإن الحكومة المصرية باتت تخجل ان تقول للداخل وللخارج ان عمليات التعذيب تتم من اجل انتزاع اعترافات وتقول الحكومة ان الجناة وتقصد من رجال الشرطة مرتكبي التعذيب تم توقيفهم من قبل النيابة العامة في الوقائع التي اشرنا اليها وسوف تتم محاكمتهم، ودخل علماء الأزهر على الخط بدورهم مطالبيين القيادة المصرية بقصاص عادل من مرتكبي جرائم التعذيب التي يحرمها الاسلام وكافة الشرائع. وعلى الصعيد الخارجي بدأت دول اوربية تحذر رعاياها بأن يفكروا جيدا قبيل زيارة مصر لملفها السيء بمجالات الحريات وحقوق الانسان على حد قول سلطات تلك الدول، وعلى سبيل المثال خلال الساعات الماضية دعت وزارة الخارجية الألمانية في بيان رسمي السياح الألمان الى عدم وضع المناظر الطبيعية، والأثرية الجذابة فقط في اعتبارهم عند التخطيط لرحلاتهم في الخارج، وقالت في بيان نشر فى القاهرة: إنه يجب على السياح الألمان أن يضعوا في اعتبارهم أيضاً حالة حقوق الإنسان ومدى احترامها في البلدان التي يزورونها واختصت وزارة الخارجية الألمانية ثلاثة بلدان يقبل السياح الألمان على زيارتها وهي: تركيا ومصر وتايلاند. وكان وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط قال عقب حدوث وقائع التعذيب ان بلاده لن تقبل اي تدخل في شؤونها، وان القضاء المصري هو المخول بتلك القضايا التي أعتبرها داخلية، وكان كلام ابو الغيط ردا على دعوة النصارى المصريين للرئيس الامريكى جورج بوش للتدخل لإنقاذ ذوييهم من التعذيب داخل اقسام الشرطة.