أزمة الكهرباء في العراق.. وتداعياتها على الحياة العامة
Jun ٠٩, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
على الطريقة العراقية في مواجهة الأزمات، تحولت مشكلة الكهرباء المزمنة إلى مادة للسخرية والتندر في الصحافة العراقية والانتاج الفني ووسائل الإعلام، وتصدى بعض الشعراء لكتابة قصائد تتغزل بالكهرباء كما تصدى فنانو الكاريكاتير إلى تناول
محمد اليوسف مراسلنا من بغداد على الطريقة العراقية في مواجهة الأزمات، تحولت مشكلة الكهرباء المزمنة إلى مادة للسخرية والتندر في الصحافة العراقية والانتاج الفني ووسائل الإعلام، وتصدى بعض الشعراء لكتابة قصائد تتغزل بالكهرباء كما تصدى فنانو الكاريكاتير إلى تناول المشكلة وحلولها الافتراضية من أوجه مختلفة ومتنوعة. وكسائر المشكلات في العراق، ازدادت مشكلة الكهرباء تعقيدا وتحولت إلى عقدة في حياة المواطن العراقي، كجزء من حلقة مفرغة، فانقطاع الكهرباء يؤدي إلى زيادة في استخدام الوقود بسبب لجوء المواطنين إلى المولدات المنزلية التي تستهلك مادة (البنزين)، وإنتاج الوقود يتوقف أيضا على تغذية مصافي النفط بالطاقة الكافية لتشغيلها، وتشغيل محطات إنتاج الطاقة الكهربائية يحتاج إلى الوقود… وهكذا دواليك. وتستعر الحاجة إلى الطاقة الكهربائية في فصل الصيف الشديد الوطأة في العراق، ولا سيما في المحافظات الجنوبية، حيث يضطر المواطنون إلى استخدام أجهزة التكييف والتبريد، وهو ما ينهك كاهل الكهرباء المنهكة هي أصلا، لتبقى هذه المشكلة ـ كسائر مشاكل البلاد ـ عصية على الحل. وترجع جذور المشكلة (الكهربائية) إن صح التعبير إلى زمن اجتياح النظام السابق للكويت وما جره من حصار اقتصادي وضرب للبنى التحتية العراقية التي اهملها النظام البائد لحساب التضخم في حجم ترسانته العسكرية والتي لم تجر على الشعب العراقي غير الخراب والدمار، ودخلت منذ ذلك الوقت مصطلحات اختصت بقطاع الكهرباء، منها مصطلح القطع المبرمج ويعني تحديد ساعات تزويد الكهرباء مقابل قطعها ونسبة الأول إلى الثاني، كأن يكون ساعة مقابل أربع ساعات، وصارت حياة المواطن في عمله ومنزله مبرمجة وفق القطع المبرمج، والذي لم يكن يشمل - قطعا - القصور الرئاسية وبيوت المسؤولين. ثم تعاقبت الحكومات وتغيرت ولكن أزمة الكهرباء بقيت راسخة وعصية على الحل، فبعد مجيء الحاكم الأميركي بول بريمر إلى إدارة البلاد تعاقدت هذه الإدارة مع شركات أميركية لإنشاء محطات توليد كبيرة تعمل على الغاز الطبيعي، والمثير للاستغراب إن هذه الإدارة لم تحسب حسابا لكيفية تزويد هذه المحطات بوقودها من الغاز الطبيعي، حيث إن لم تنشأ أنابيب لهذا الغرض من جانب، كما أن العراق لا يملك المشاريع التي تهتم باستخراج الغاز الطبيعي وإنتاجه بالكميات التي تغطي حاجة هذه المشاريع، التي كلفت ميزانية الدولة الكثير، والتي ما زال مصيرها مجهولا. ثم مع تشكيل الحكومة المؤقتة والتي ترأسها أياد علاوي تفاقمت المشكلة، وانقشع الغبار عن ملف فساد مالي كبير في وزارة الكهرباء وبملايين الدولارات، مما دفع الجهات المعنية بمحاربة الفساد إلى إستصدار أمر باعتقال وزير الكهرباء الأسبق أيهم السامرائي، والذي تم إطلاق سراحه في ظروف غامضة، وبتدبير أميركي، وتم تهريبه بحماية أميركية إلى خارج العراق !! ثم جاءت الحكومة الانتقالية التي ورثت من سابقتها فسادا إداريا وماليا كبيرا أضيف إلى أزمات النظام السابق، في المؤسسات الأمنية والخدمية، وكانت أمام تحديات كبيرة، ولكنها استطاعت أن تحلحل مشكلة الكهرباء نسبيا، وتم توقيع اتفاقات بعيدة الأمد لتزويد العراق بما يحتاجه من الطاقة الكهربائية من دول الجوار، وتحديدا من إيران وتركيا، ولكن بقيت المشكلة الأخرى في إصلاح الشبكات الكهربائية الداخلية والتي تعاني من دمار كبير، ومعظمها استحق التبديل وإعادة الإعمار منذ عقود. ولا تزال الحكومة الحالية بعد عام على تشكيلها تحاول إيجاد مخرج لأزمة الكهرباء ومن جذورها، ـ ويذكر في هذا السياق إن رئيس الوزراء نوري المالكي أمر بشمول المنطقة الخضراء التي تقع فيها مكاتب ومقرات المسؤولين العراقيين بالقطع الكهربائي، أسوة بسائر مناطق العاصمة بغداد ـ، وطوال هذه الفترة لم تتوقف الجماعات الإرهابية من استهداف محطات وناقلات الطاقة الكهربائية، ولا سيما إن النظام السابق أنشأ أكبر محطات إنتاج الطاقة الكهربائية في المناطق التي كان يعتبرها موالية له، والتي تحولت بعد سقوطه إلى بؤر للجماعات الإرهابية، وحتى المولدات المحلية التي تبنى في الأحياء السكنية ويسيطر عليها سماسرة الكهرباء لم تسلم من الأذى، مما أدى إلى تفاقم الازمة وتضخمها يوما بعد يوم. وعلى طريقة ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، فإن وزير الكهرباء الحالي وحيد كريم، صرح لمرات عدة بإن العراق يهدف إلى وضع حد لأزمة الكهرباء بحلول عام 2010م أو عام 2012م، وذلك بإنفاق ما يصل إلى ملياري دولار سنويا لإعادة بناء وإصلاح قطاع الكهرباء، خلال السنوات المقبلة، ولكن لم تعد الوعود القريبة أو البعيدة الأمد، (لتثلج) صدر المواطن العراقي في حرّ الصيف اللاهب، وهو ينتظر تحول الأقوال إلى أفعال، قبل أن تتحول حالة التذمر الشديد من الكهرباء إلى أزمة كبيرة لا تحمد عقباها.