المواجهة بين الحكومة والاخوان المسلمين في مصر
Feb ١٩, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
تعود جذور المواجهة الراهنة ما بين حكومة الرئيس المصري حسني مبارك وبين جماعة الاخوان المسلمين الى بداية الضغوط الامريكية على الاصدقاء في الحكومة المصرية كما اسماهم الرئيس الامريكي جورج بوش عندما ناشدهم ان يلعبوا دورا ً رائدا في نشر الديمقراطية في العالم العربي
هدى امام مراسلتنا في القاهرة تعود جذور المواجهة الراهنة ما بين حكومة الرئيس المصري حسني مبارك وبين جماعة الاخوان المسلمين الى بداية الضغوط الامريكية على الاصدقاء في الحكومة المصرية كما اسماهم الرئيس الامريكي جورج بوش عندما ناشدهم ان يلعبوا دورا ً رائدا في نشر الديمقراطية في العالم العربي على اعتبار ان مصر هي القدوة امام العرب، وقتها كان البيت الابيض يتلاعب بالكلمات ولا تهمه الحريات في المنطقة او حقوق الانسان - حسب الخبراء من بعيد او قريب - انما كان يبتز القيادة المصرية وهي حليف رئيسي لواشنطن في المنطقة العربية والاسلامية يبتزها لكي يحصل منها او ينتزع المزيد من التنازلات لصالح الاجندة الامريكية الصهيونية في المنطقة، والقيادة المصرية لم تكُ غائبة على استيعاب الرؤية الامريكية انما فهمت رسالة واشنطن جيدا ً واستوعبتها وامتصت الضغوطات الامريكية، وتقدمت للادارة الامريكية بتنازلات عندما قادت العرب بالاعتراف بشرعية غزو العراق، وما ترتب عليها من تداعيات، وعقد مؤتمر في شرم الشيخ من اجل الاستقرار في هذا البلد الشقيق، واحتضان خارطة الطريق وعملية تصفية الانتفاضة وابرام اتفاقيات الكويز مع الكيان الصهيوني والصمت في مواجهة مخطط تصفية الرئيس عرفات بالسُم الخ...، لكن على الرغم من تلك التنازلات استمرت الضغوطات الامريكية للحصول على المزيد من التنازلات حتى وصل الامر ان الحكومة المصرية وصلت الى مرحلة لم تعد بحوزتها اوراق يمكن ان تتنازل عنها لواشنطن وفي نفس الوقت تحافظ على الاستقرار في هذا البلد المسلم الكبير، ولذلك وضعت الاجهزة الامنية المصرية مخططا لاقناع واشنطن بان جماعة الاخوان باعتبارها الجماعة المعارضة الرئيسية في مصر المؤهلة في حالة اجراء انتخابات نزيهة الوصول للسلطة، ووفق ما هو ثابت لكافة المراقبين فان الاخوان على الرغم من ترشيحهم اقل من 150 فردا فقط في الانتخابات البرلمانية حتى لا يثيروا ذعر السلطة في مصر فلقد فاز منهم في مجلس الشعب 88 عضوا من 444عضوا عدد اعضاء مجلس الشعب المصري ولا تزال السلطة في مصر تعلق اجراء الانتخابات في عدة دوائر برلمانية كان من المفترض ان تجري فيها انتخابات اعادة لكونها تعلم مسبقا ان الاخوان سيفوزون بالمقاعد البرلمانية في تلك الدوائر المفترض ان تتم اعادة الانتخابات فيها، وهنا لابد ان نتوقف لنشير الى تقدم الاخوان على الحزب الوطني في دوائر كثيرة خلال المرحلة الاولي من الانتخابات اما المرحلة الثانية فلقد شهدت تدخل حكومي نسبي وتاتي المرحلة الثالثة وتفتح الشرطة النيران على جموع الناخبين لمنعهم من التصويت للاخوان مما ادي الى مصرع اكثر من 12 شخصا واصابة العشرات واعتقال المئات من انصار جماعة الاخوان، وتردد ساعتها ان واشنطن اعطت ضوء اخضر للسلطة في مصر بوقف تقدم الاخوان في الانتخابات وان كان خبراء يرون خلاف ذلك ويقولون ان السلطة اعتبرت ان الاخوان تجاوزوا العدد المسموح لهم الفوز به من المقاعد ويتعين وقف تقدمهم بمختلف الطرق. • تجربة حماس المهم ان الانتخابات البرلمانية المصرية تبعتها بعد ذلك في فلسطين الانتخابات البرلمانية الفلسطينية والتي جرت بحرية وبدون قيود فاكتسحتها حماس، وهي احدى فصائل التنظيم الدولي للاخوان المهمة التي تقاتل العدو الصهيوني لتحرير فلسطين كل فلسطين وترفض الاعتراف به، وراينا خلال الشهور الماضية التي تواجدت فيها حركة حماس في الحكم ان تلك الحركة بالرغم من الضغوط والحصار والتجويع وعمليات الارهاب التي تمارس ضد قياداتها وضد الشعب الفلسطيني عموما من الكيان الصهيوني واصدقائه خارج المنطقة العربية الاسلامية بل وداخلها الا ان حماس رفضت تلك الضغوطات التي تطالبها بالاعتراف بما يسمي دولة "اسرائيل" حتى يتم التفاوض معها والتعامل معها اقليميا ودوليا بشكل طبيعي، ومما يؤسف له ان دول عربية رئيسية ومنها مصر شاركت الاعداء حصارهم لحكومة حماس المنتخبة من قبل الشعب الفلسطيني، ولقد كانت تجربة فوز حماس قاسية على واشنطن وحلفائها في الكيان الصهيوني والمنطقة لكون ان النظم العلمانية في المنطقة العربية والاسلامية معظمها باتت ترى في التيار الاسلامي خطرا مباشرا على وجودها اخطر من الكيان الصهيوني وقد عبر عن ذلك بوضوح عادل حمودة رئيس تحرير صحيفة الفجر المستقلة والكاتب الصحافي بالاهرام المقرب من الحكومة المصرية عندما قال انه يرى في الاخوان خطرا على مصر افدح من خطر "اسرائيل"، وهو ما عكسته مرارا الصحف العبرية عقب تردد الوفود المصرية على تل ابيب عندما ابرزت تلك الصحف تفاهما مصريا صهيونيا من اجل مواجهة الاصولية لخطرها على عملية التسوية، ولم تنفي الدوائر الرسمية المصرية ما ذكرته تلك الصحف العبرية، وقد دعت الحكومة الصهيونية مرارا القيادة المصرية للتعاون من اجل مواجهة ما تصفه بالارهاب، والارهاب في عرف الكيان الصهيوني جماعات المقاومة الباسلة اما في عرف الحكومة المصرية فيتمثل في فصائل التيار الاسلامي المختلفة. والى جانب ذلك بدات قوات الاحتلال الامريكي في العراق وافغانستان تهزم استراتيجيا وحققت المقاومة في لبنان نصرا تاريخيا على الكيان الصهيوني وبدات المقاومة في غزة توجع العدو فاضطر للفرار من القطاع وتبعته ضربات الصواريخ لتحرير بقية فلسطين وذلك يحدث قبيل فوز حماس في الانتخابات، ومن هنا بدا الامريكان يقتنعون بوجهات نظر الحكومات التي يقولون عنها انها صديقة لهم في المنطقة ومنها الحكومة المصرية وهي وجهة نظر تقول ان الاخوان والتيار الاسلامي بشكل عام اذا ما فازوا بالسلطة في مصر وفي بقية دول المنطقة فانهم سيشكلون خطرا كبيرا على وجود الكيان العبري وتامين امدادات النفط لامريكا واوروبا، ولذلك شاهدنا قيادات البيت الابيض تخرج محتجة عندما يعتقل في مصر ليبراليا واحدا من حزب الغد او مركز ابن خلدون مثل الدكتور ايمن نور والدكتور سعد الدين ابراهيم ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها لكن عندما يعتقل المئات من الاسلاميين او يجمد حزب توجهه اسلامي تصمت واشنطن تجاه تلك التعديات على الحريات، وبلغ التردي الامريكي مداه مؤخرا بالتخلي حتى عن الليبراليين القلائل في السجون والمعتقلات المصرية عندما تعلق الامر بخطة بوش الجديدة بالعراق حيث خفت حدة المطالبة بالافراج عن ايمن نور زعيم حزب الغد الليبرالى المدان بالتزوير في تهم ينفيها عن نفسه ويقول ان الحكومة لفقتها له لنزوله الانتخابات الرئاسية في مواجهة مبارك، وهنا نصل لبيت القصيد حول اسباب اندلاع المواجهة الاخيرة ما بين الاخوان والحكومة المصرية تلك المواجهة التي بلغت مداها باحالة 40 من رجال الاعمال الى محاكمة عسكرية من بينهم خيرت الشاطر نائب المرشد وبعدها بايام تم اعتقال 82 عضوا من كوادر الجماعة في تسع محافظات تمت احالتهم الى النيابة العامة، فقررت حبسهم 15 يوما بتهمة التخطيط لتنظيم تظاهرات ضد النظام، وفي تقدير كثيرين ان الحكومة المصرية تعمل في اطار تفاهمات مع واشنطن لضرب التيار الاسلامي في المنطقة المتعاطف مع اشقائه المقاومين لمشروع الهيمنة الامريكي الذي يستهدف المنطقة ككل وقواها الحية في ايران او سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، ولذلك ربط المرشد العام للاخوان السيد محمد مهدي عاكف ما يحدث في مصر من تضليلٍ اعلامي مُوجَّهٍ ضد الاخوان بما يحدث على الساحة الدولية ضد الاسلام والمسلمين، حيث قال: "انَّ الصهاينةَ ادركوا التاثير الخطير للاعلام من وقتٍ مبكِّر، فسعوا الى السيطرة عليه، ولا سيما في الغرب، وراحوا يُضخِّمون ما الحقه بهم النازي من ظلمٍ واضطهاد؛ حتى يبرِّروا ما يلحقونه بالعرب والمسلمين في فلسطين، من تهجيرٍ وابادةٍ واستيلاءٍ على الاوطان، مستندين الى الاساطير التوراتية، وكذلك فعل الصليبيون الصهاينة (المحافظون الجدد) في امريكا، مستغلين احداث 11 سبتمبر، التي لم يتم فيها تحقيقٍ نزيه محايد حتى الان لاعلان حرب على الاسلام تحت دعوى محاربة الارهاب دون تحديد لمعنى الارهاب، وتمَّ استخدام الاعلام الكاذب في التمهيد لشنِّ حروب خطيرة احتُلت على اثرها افغانستان، ثم العراق، ثم ضربت لبنان، وضربت الصومال، ولا تزال سوريا والسودان تعيشان تحت تهديدٍ بالحرب والعدوان، ولا تزال طبول الحرب الاعلامية تدقُّ وتمهِّد للعدوان على ايران، وقد اسفرت هذه الحروب عن قتل اكثر من مليون شخص وجرح وتهجير اضعاف هذا الرقم وتدمير الدول التي تمَّ احتلالها وتمزيق شعوبها". • ضوء اخضر امريكي ويجمع الخبراء في القاهرة ايضا على ان تلك الحملة التي تقوم بها السلطات المصرية سياسية بالاساس تستهدف منع الجماعة من المشاركة بفاعلية في انتخابات مجلس الشورى والاستفتاء على التعديلات الدستورية المقترحة، والمقرر اجراؤهما في ابريل المقبل الى جانب الحدِّ من الصعود السياسي للجماعة، وهو المخطط الذي يحظى برضا امريكي، وهو ما اكدته (لوس انجيليس تايمز) الامريكية حيث اوردت متابعةً كاملةً لمسألةِ الاعتقالات التي جرت في صفوف جماعة الاخوان المسلمين يوم الخميس الماضي، واكدت انها حلقة في حملة تصعيدٍ متكاملةٍ ضد الجماعة، وذكر التقريرُ الذي نشرته الجريدة حول الحدث انَّ النظام المصري استغل ظروف الفوضى الاقليمية والرغبة الامريكية في القضاء على الاخوان المسلمين لكي يقوم بالحملة المستمرة منذ فترة ضد الجماعة التي تعتبر اكبر جماعة معارضة في البلاد. وذكرت الجريدة ان الولايات المتحدة تهدف الى ضرب الاخوان المسلمين في اطار محاولاتها للقضاء على الاسلام السياسي في الشرق الاوسط، وهي الاستراتيجية التي ولَّدها تفاقم المازق الامريكي في العراق، والذي ادَّى الى اكساب السياسة الخارجية الامريكية نوعًا من العصبية ودفعها الى التراجع عن تعهداتها بنشر الديمقراطية في الشرق الاوسط والاتجاه الى توطيد علاقاتها مع دول في المنطقة مثل مصر والسعودية. وكان الرئيس المصري اتهم الاخوان بانهم خطرا على الامن القومي ولذلك قال الدكتور عمرو الشوبكي الباحث في مركز الدراسات السياسية الاستراتيجية بالاهرام: "انَّ تلك الحملة على الاخوان تعتبر الاكثر شراسةً منذ وصول الرئيس حسني مبارك الى رئاسة الجمهورية". و من المؤكد انَّ سياسةَ الاعتقال ومطاردة الناشطين من اي اتجاهٍ في مصر خاصةً الاخوان هي السياسة الرسمية المتبعة من جانب الحكومة، وقد زادت وتيرة الاعتقالات في صفوف الاخوان المسلمين؛ حتى انَّ كلَّ مجموعة (يتم اعتقالها في وقتٍ متزامن وقضية واحدة) اصبحت تاخذ اسمًا اعلاميًّا مثل اساتذة الجامعات، ومجموعة النقابيين، وقضية الطلبة، ثم اخيرًا "رجال الاعمال". • اراء الخبراء ويرفض الكاتب الصحفي محمد الطويل معالجة الخلاف السياسي بين الاخوان والنظام الحاكم بالاسلوب الامني، مؤكدًا انَّ هذا الاسلوب اثبت فشله على مرِّ العصور والسنوات السابقة، ويدلل على ذلك بزيادةِ اعدادهم ونجاحهم الكبير في البرلمان، ويرى ان الحل لمعالجة الازمة يكمن في العلاج السياسي، معتبرًا انَّ التعاملَ مع الاخوان على انهم اعداء للوطن لن يحقق الا مزيدًا من التعاطف المضاعف والجماهيرية. ويشدد على انَّ الاخوان ينبغي النظر اليهم باعتبارهم مصريين لهم وجهة نظر مختلفة مع النظام، وليسوا اعداءً للوطن، وانتقد ان يحاور النظامُ الصهاينة ويمتنع عن التحاور مع الاخوان. ويدين الدكتور جمال زهران- استاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس وعضو مجلس الشعب- الاسلوب الامني الذي تتبعه الحكومة، معلنًا رفضه لكل انواع الترهيب والترويع والاقصاء لفصيلٍ من القوى السياسية اثبت وجوده في الشارع وحقق نجاحه بارادة المواطنين واختيارهم. ويناشد الدكتور زهرانُ الاخوانَ بالتوقف عن سياسةِ الامتصاص الحالية واستخدام الياتهم السلمية للمقاومة، وكذلك تفعيلها على مستوى دولي. ويستطرد: "يمكن للاخوان ان يلجاوا للاستعانةِ بالمنظمات الدولية باعتبارهم فصيلا سياسيًّا سلميًّا لا يُستهان به، ويمكنهم ايضًا الحصول على تاييدٍ عالمي من خلال اخوان الخارج، ولا باس من الاستفادةِ من شعبيتهم في تعبئةِ الشارع، بل واللجوء الى اعلان العصيان المدني، وعليهم ان يقاوموا هذه الضربات والا تُؤثر فيهم حتى لو بلغ الامر اعتقال كل القيادات المعلنة، مؤكدًا انَّ صمت الاخوان سيلحق بهم وبالوطن ضررًا كبيرًا؛ لان ما يحدث الان بالاضافة لتمرير التعديلات الدستورية واحكام القبضة الامنية، يُعدُّ تمهيدًا لحل مجلس الشعب، وهو ان حدث فلن يتمكن الاخوان من تحقيق الرقم الذي حققوه من قبل. وهكذا تبقي المواجهة مفتوحة بين الاخوان والحكومة في مصر ويبقي الاخوان ينحازون للخيار السلمي السلبي بالصمت و عدم التحرك على الرغم من مقدرتهم على الحشد السلمي من اجل التغيير، ولان الاخوان يملكون بدائل سلمية كالتظاهر والاحتجاج والعصيان وتلك الوسائل يعطلونها ولايفعلونها على الرغم من الضربات التي توجه اليهم بدون سبب الا لكونهم قوى سياسية ينحاز اليها الناس فالى متى يظل الاخوان يديرون خدهم الايمن كلما صفعوهم على خدهم الايسر هو سؤال يحير الخبراء في القاهرة الآن؟