تهديد مستقبل الصحافة المستقلة في المغرب
Jan ١٠, ٢٠٠٧ ١٧:٠٠ UTC
تواجه الصحافة في المغرب في الآونة الاخيرة محنة حقيقية ساهمت فيها أطراف متعددة ومختلفة التوجهات والمصالح، منها جهات لاترغب في تطور الصحافة للقيام بمهامها الإجتماعية، حتى تتمكن من بلوغ مستوى يجعل منها صحافة للتحقيق وإلقاء الضوء على ملفات وجوانب مظلمة يعشش فيها الفساد في مجتمعنا
محمد التميمي مراسلنا في المغرب تواجه الصحافة في المغرب في الآونة الاخيرة محنة حقيقية ساهمت فيها أطراف متعددة ومختلفة التوجهات والمصالح، منها جهات لاترغب في تطور الصحافة للقيام بمهامها الإجتماعية، حتى تتمكن من بلوغ مستوى يجعل منها صحافة للتحقيق وإلقاء الضوء على ملفات وجوانب مظلمة يعشش فيها الفساد في مجتمعنا، وجهات أخرى تريد استمرار صحافة استبعاد المجتمع، وجهات غيرها تنتمي للحقل الصحافي لكنها لا تستشعرخطورة ما يتربص بالمهنة ممن يتصيدون الأخطاء مهما كانت بسيطة بغية الإجهاز على المكتسبات التي تحققت في الميدان. فالأحكام الصادرة في السنتين الأخيرتين خصوصاً في شق التعويض على المطالب المدنية تحمل دلالة خطيرة تتمثل في الرغبة في إعدام المؤسسات الصحافية المستقلة، بحيث لا يمكن لأية مؤسسة مهما كان مدخولها ومواردها أن تتحمل حكماً واحداً من قبيل 300 الف دولار فما بالك إذا واجهت أكثر من حكم مشابه. والمثير للإستغراب حقاً أن مثل هذه الأحكام لا نجد لها مثالاً لا في فرنسا ولا في بريطانيا ولا في أمريكا، ففي فرنسا مثلا الغرامات وتعويضات ذوي الحقوق المدنية التي تصدر في قضايا النشر ولو ضد مؤسسات كبرى، لا تتجاوز بضع مئات من اليورو، لأن الأمر يتعلق بتسجيل إدانة قذف أو نشر خبر غير صحيح، لا كسر أضلع المؤسسات الصحفية. والحالة التي يتم فيها الحكم بمبالغ كبيرة تتعلق بالصحافة الشعبية التي تتعمد التشهير واقتحام الحياة الخاصة للنجوم من قبيل نشر صور عارية لممثلين وغيرهم من المشاهير، وتلك الصحافة تكون مستعدة لمثل تلك الأحكام. يضاف إلى هذا وجود قانون صحافة في البلاد لا يعترف للمهنة بمكانتها كصاحبة مهمة رسالتها الأساسية خدمة المصلحة العامة بتزويد المواطن بالمعلومة التي كانت حكراً على ذوي النفوذ في الأنظمة غير الديموقراطية. لذا نجد القضاء في المغرب يساوي في كثير من الأحيان بين صحافي وخصمه وبين شخصين متخاصمين في قضايا الحق العام الأخرى حيث يتساوى الصحافي مع المشتبه به في قضية تتعلق بالضرب والجرح أو غيرها، بل الأكثر من ذلك فالصحافي لا يتوفر على نفس شروط المحاكمة العادلة مع المتابعين في جرائم أخرى سواء في تقديم الحجج والشهود وغيرها، إضافة إلى أن قانون الصحافة الحالي يتضمن مصطلحات عامة وفضفاضة وغير قابلة للتحديد، وهو ما يجعل الصحافي تحت رحمة سلطة تقديرية لقضاة لم يستوعبوا قانون الصحافة ومهمة الصحافة بعد. كل هذه الإكراهات تأتي لتنضاف إلى واقع آخر يتمثل في ما يعرفه سوق القراءة في المغرب من ركود، وما يشهده سوق الإشهار من انعدام الشفافية والزبونية، مما يجعل حقل الصحافة محفوفاً بالأخطار وعرضة لعدة شوائب وأمراض تسىء إلى مصداقيته ونزاهته واستقلاليته. ومهما قيل عن الخطر الخارجي الذي يهدد مهنة الصحافة ورسالتها النبيلة فإن أخطر ما يواجه حقل الصحافة هو العوامل الذاتية المتمثلة في أساليب ممارسة المهنة من طرف أصحابها حيث تشوب هذه الممارسة عدة نواقص وأحياناً منزلقات خطيرة. فبعض المحسوبين على مهنة الصحافة يسيؤون أكثر من غيرهم لمهنتهم بسلوكيات منحرفة أو بحسابات ضيقة وغير مسؤولة وطفولية أحياناً، مما يجعل الأعداء يتخذون ممارساتهم حججاً للتدليل على ضرورة التضييق على الصحافة وخنقها، وأعداء الصحافة المستقلة منتشرون في كل المجالات السياسية والإدارية والرياضية والمالية وغيرها. فليس أخطر على الصحافة من صحافي لا يحترم أخلاقيات المهنة و صحافي لا يحترم قراءه سواء بعدم التقـــيد بقواعد المهنة، أو انعدام المسؤولية واللامبالاة بمحيطه المجتمعي أو استغلال مهنته لقضاء أغراضه الشخصية. هذه ليست دعوة لتقييد الصحافي ومحاصرته وعدم تمكينه من التعبير بحرية، بل هي دعوة إلى ضرورة أن تعي الصحافة المغربية حجم مسؤوليتها والسمو بها إلي مستوى تكون فيها سلطة رابعة بحق وحقيق. فالمهنيون مطالبون الآن بالدفاع عن مهنتهم وصيانتها من المنزلقات والوقوف بحزم في وجه المتربصين بها، وأيضا العابثين بقدسيتها وشرفها وأخلاقها.