ضحايا غزة في مصر
Nov ١٣, ٢٠٠٦ ١٧:٠٠ UTC
تماما كما قامت السلطات المصرية بإرسال البطاطين والخيام وزجاجات المياه والأدوية الى لبنان عندما أعتدى على أهلنا فيه قطعان الهمج الصهاينة، وقالت القيادة المصرية وقتها ان لبنان والذي وصفته بالمغامر هو المتسبب في العدوان، فعلت السلطات المصرية ذلك في مواجهة العدوان الصهيوني على أهلنا في غزة
هدى امام مراسلتنا في القاهرة تماما كما قامت السلطات المصرية بإرسال البطاطين والخيام وزجاجات المياه والأدوية الى لبنان عندما أعتدى على أهلنا فيه قطعان الهمج الصهاينة، وقالت القيادة المصرية وقتها ان لبنان والذي وصفته بالمغامر هو المتسبب في العدوان، فعلت السلطات المصرية ذلك في مواجهة العدوان الصهيوني على أهلنا في غزة وجاءت بالضحايا الى مستشفياتها بالقاهرة لتستخرج من أجسادهم النحيلة - بفعل الحصار الظالم المضروب حولهم منذ شهور وسط ظلم ذوي القربى - تستخرج رصاص دمدم المحرم دوليا، وقالت السلطات المصرية ايضا أن صواريخ القسام هي السبب، وفي الحالتين اللبنانية والفلسطينية نلاحظ ان الدبلوماسية المصرية تضع المسئولية عن الجريمة على عاتق الضحية، وتتجاهل المجرم الأصلي وهو الكيان الصهيوني، وعلى أي حال يبدو أن السلطات المصرية هنا تمسك العصا من منتصفها فتظهر للحلف الصهيوني الأمريكي أنها تقدم معونات ومساعدات انسانية وتحاول ان تظهر للشعب العربي والمسلم في فلسطين أنها معه عبر تلك المعونات الطبية والإنسانية وخلال الأيام الماضية تدفق الي المستشفيات المصرية العشرات من الجرحى للعلاج انهم جرحى مجزرة بيت حانون وبيت لاهيا والشجاعية وجباليا وغيرها الكثير من المدن والقرى والبلدات الفلسطينية التي تتعرض للعدوان الصهيوني النازي بشمال قطاع غزة، يتوافدون فرادى وجماعات عبر معبر رفح إلى الأراضي المصرية، وبعد رحلة عذاب طويلة، ومريرة، في الطريق أضافت إلى جراحهم المزيد من الآلام وصلوا إلى مستشفى معهد ناصر ورقدوا بالعشرات يئنون بجراحهم..ولقد تنقلنا داخل أروقة المستشفى بصحبة محمد عبدالحليم مدير العلاقات العامة بالمستشفى حيث تم توزيع الجرحى على العديد من الأقسام والأدوار المختلفة كل حسب حالته.. بينما رقد آخرون في غرفة الرعاية المركزة في حالة بالغة الخطورة. • رحلة المعاناة في رفح الفلسطينية تعالت أصوات سيارات الاسعاف حتى توقفت على الحدود المصرية الفلسطينية، فهي ممنوعة من استكمال طريقها داخل الأراضي المصرية وعلى الجرحى مهما كانت حالتهم ومهما بلغت خطورتها أن يهبطوا من تلك السيارات وينتظروا حتى تأتي سيارات الاغاثة (الاسعاف) المصرية فتنقلهم للمستشفى.. وهو ما حدث بالفعل.. هبطوا.. وانتظروا يغرقون بدمائهم وأنات جراحهم على البوابة الحدودية الفلسطينية المصرية.. الجراح تنزف.. والأنات تتعالى والوقت يمضي طويلا وبرودة الشتاء وصقيعه يزيد من آلام الجراح ورعشة الاجساد..وهكذا يتنقلون من نقطة عبور الى أخرى داخل مصر حتى يصلون الى القاهرة وفي داخل مستشفى معهد ناصر كما شاهدنا كانت الاستعدادات تتم على قدم وساق حيث أكد الدكتور بهاء الدين أبوزيد مدير مستشفى معهد ناصر أن المستشفى رفع حالة الطوارئ القصوى استعدادا لاستقبال الجرحى الفلسطينيين ورغم علمه بأن عددهم حوالي 28 جريحا إلا أنه استعد لاستقبال نحو خمسين جريحا وذلك تحسبا لأي زيادة في أعداد الجرحى خاصة أن الاعتداءات الصهيونية مازالت مستمرة، أضاف الدكتور بهاء أن معظم الحالات التي حضرت إلى المستشفى مصابة بكسور في عظام الوجه والساقين وبمناطق أخرى وكذلك حروق نتيجة إلقاء القنابل عليهم والغازات الحارقة واصابات أخرى بأعيرة وطلقات نارية في أماكن متعددة بالجسم وقد تم احتجاز ثلاث حالات بغرفة العناية المركزة نظرا لخطورتها بينما تم نقل حالتين اخريين إحداهما إلى مستشفى الهلال وأخرى إلى مستشفى الشيخ زايد وذلك لعدم توفر مكان لهما بغرفة الرعاية الفائقة.. وأضاف الدكتور بهاء أنه فور علمه بقدوم الحالات قام باستدعاء كافة الاطباء والأساتذة والاستشاريين لاستقبال تلك الحالات، وكذلك استدعاء نواب المدير وتكليفهم بالتواجد المستمر بالمستشفى لمتابعة علاج الجرحى وتوفير كافة الخدمات الطبية لهم على أكمل وجه، كما تم استدعاء صيدلي آخر لمساعدة الصيدليى الموجود وتوفير الأدوية اللازمة لتلك الحالات وكذلك توفير أكياس الدم ببنك الدم بكافة الفصائل وفور وصول الجرحى إلى المستشفى حضر لزيارتهم الدكتور محمود الزهار وزير الخارجية الفلسطيني والسفير محمد صبيح المندوب الدائم للسلطة الفلسطينية بالقاهرة والدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة المصري. • لقاءات مع الابطال أسرة عديدة يرقد عليها شباب وأطفال وشيوخ لا ذنب لهم سوى انهم ولدوا فوق هذه الأرض المقدسة، وحملوا لواء شرفها وعزتها وكلفوا بحكم الدين والانتماء بالدفاع عنها بكل ما يملكون من قوة.. وحتي النزع الأخير.. فايز حسني علي نوفل 24 سنة يعمل بجهاز الشرطة الفلسطيني وهو ضمن طاقم الحراسة المكلف بحراسة منزل الدكتور نبيل شعث كبير المفاوضين الفلسطينيين وأثناء تواجده أمام منزل الدكتور نبيل وتحديدا وقت الظهيرة في ثاني أيام المجزرة فوجئ هو وزملاؤه بطلقات وأعيرة نارية تنهال عليهم من داخل بناية مهجورة بقلب المنطقة الحدودية داخل الحدود الفلسطينية، المفترض أنها آمنة، أطلقت النيران بشكل عشوائي بوحشية بالغة وانهالت فوق رؤوس المارة فبدأت تحصدهم واحدا تلو الآخر وكعادة الصهاينة دائما دون مراعاة لوجود أطفال مارين أثناء خروجهم ودخولهم إلى مدارسهم.. يقول فايز بعد لحظة صمت (ينغزه فيها الألم): اصابتني طلقة في ساقي فشعرت بأن النار قد اشتعلت بها، وأن عظامي تتهشم بدءا من مكان الاصابة وانتشارا بجسدي كله.. دارت الدنيا حولي فسقطت ألما ووهنا حاولت الزحف إلى داخل منزل الدكتور نبيل شعث لعلني استطيع الاحتماء بأحد جدرانه، طاردني القناصة ببنادقهم في محاولة لقتلي وتعجيزي عن النجاة إلا أن يد أحد زملائي سحبتني بقوة ورحمة إلي الداخل واتصل زميل آخر بسيارة الاسعاف مستغيثا لانقاذي وانقاذ المواطنين المصابين حولي إلا أن الاغاثة تأخرت كثيرا لمنعها من الوصول إلينا.. وكانت كل لحظة تمر تمثل خطورة علي حياتنا لكثرة دمائنا النازفة وخطورة الجراح، وفقدنا الأمل في النجاة.. وأخيرا وصلت سيارة الاسعاف بعد ساعات طويلة مات فيها من مات وبقي من كتبت له النجاة.. وكنت أنا واحدا من هؤلاء.. ويقول كمال خالد الشمباري 18 سنة طالب يقيم في بيت حانون بصعوبة بالغة استطاع أن يتحدث معنا فاصابة وجهه القاسية الشديدة كانت تعوقه عن مواصلة الحديث إلا أن رغبته في كشف قبح الوجه الصهيوني جعلته يحكي: "كنا نجلس داخل الدار أنا وأسرتي وأعمامي.. سمعنا طلقات أعيرة نارية خارج المنزل وأدركنا أن هناك اشتباكا دائرا بين قوات الاحتلال ورجال المقاومة ودون أدنى مبرر انهالت النيران إلى داخل المنزل ووجدت ابي يسقط صريعا أمامي، حاولت الاسراع نحوه لنجدته إلا أن الرصاصات لاحقتني فاصابتني واحدة في ظهري وأخرى في صدري وثالثة في ذراعي ثم وجهي كان وخز النيران يشتعل بكل أجزاء جسدي وقبل أن أغيب عن الوعي رأيت اثنين من أعمامي يلفظان آخر انفاسهما إلى جواري واثنين آخرين من أولاد عمومتي، وكانت حصيلة الشهداء مافي بيتي ستة شهداء وثمانية جرحى كانت رؤيتهم وهم يتساقطون واحدا تلو الآخر تفوق قدرة عقلي علي التحمل.." أما سعد عبدالله العثماني البالغ من العمر 56 عاما فقد ألمت به كارثة كادت تفقده عقله، فقد فقد في دقائق معدودة أربعة عشر فردا من أسرته، أبناءه وأمه واخوته وزوجته الحامل في الشهر السابع، وأحفاده الذين تراوحت أعمارهم بين الثلاثة والسبعة أعوام حصدهم العدوان في دقائق!! اضف إلى جملة كوارثه منزله المكون من أربعة طوابق والذي ظل سنوات طويلة في رحلة عمل شاقة حتى يستطيع أن يبنيه ليجمع فيه عائلته مرة واحدة، فماتوا تحت انقاضه دفعة واحدة!! وفقد عم سعد أيضا سيارته الخاصة سيارة أجرة تاكسي كانت مصدر رزقه ورزق اسرته، وارتفعت حصيلة خسائره لتذهب تحويشة العمر (عشرة آلاف دينار) كان قد أعطاها لوالدته لتدخرها له.. فرحلت أمه.. واحترقت النقود معها داخل المنزل المتهدم بفعل القصف. يقول عم سعد: "بدأت حكايتي عندما دارت اشتباكات بين قوات الاحتلال وعناصر المقاومة داخل شوارع البلدة.. وكنت قد انتهيت لتوي من صلاة الفجر بينما تعالت أصوات البنادق والمدافع حول البيت وفوجئت بطرقات استغاثة فوق نافذة غرفة نومي عندما فتحت وجدت أحد الشباب مصابا استغاث بي وأخبرني أن هناك جرحى آخرين ينزفون في الخارج ولا يجدون سيارة اسعاف تنقذهم حيث يمنع العدو مرور أية سيارة اسعاف إلى داخل البلدة.. لم أجد امامي سوى المخاطرة والخروج لانقاذ هؤلاء الشباب وبالفعل أوصلتهم بصعوبة بالغة لأقرب مستشفي بينما كانت الطائرات من فوقنا ترصد تحركاتنا.. لم تمض سوى بضع ساعات حتى فوجئت بعودتها تحوم مرة أخرى فوق المنزل وإذا بالقصف يتوالى فيشعل كل أرجاء البيت فبدأ منزلي ينهار طابقا تلو الآخر وتصاعد منه الدخان وعمت حالة من الفوضى والهلع والرعب وتعالت صرخات النساء وبكاء الأطفال وتكبيرات الرجال وجدت ابني وأحد احفادي وقد سقطا ينزفان أمامي فأسرعت إليهما رغم الرصاصة التي اصابتني في رقبتي ورغم نزفي حملتهما معا محاولا ابعادهما عن النيران المشتعلة والبيت الذي يتساقط فوقنا وفور ابتعادنا كان كل شيء قد انتهى.. وكل من في البيت راحوا.. فقد استشهد الجميع ولم استطع انقاذ أحد منهم.. وبعد عذاب مرير وطويل جئنا إلى الحدود المصرية لكني لم أتمكن من احضار ابني (عبدالمهيمن) إلى مستشفى معهد ناصر لعدم قدرتي على دفع المائة جنيه التي طلبها مني سائق سيارة الاسعاف بالعريش فاضطررت لدفع نفقة حفيدي وتركت ابني بمستشفى العريش بين الحياة والموت.." .. يبكي عم سعد.. يعلو بكاؤه ودعاؤه.. يصمت برهة قبل أن يعود للحديث.. ثم يقول: "لا أدري كيف استطيع العودة لمنزلي مرة أخرى أقصد لبقايا المنزل وأنا أشعر بأرواح عائلتي تحلق في هذا المكان.." يدعو ويتمتم في بكاء: الله يقبلك في ذمته يامه.. الله المعين، يضيف عم سعد أنه ترك بفلسطين ابنة أخرى لا يعرف مصيرها، عمرها عشرة أعوام لم يعد لها أهل أو أسرة.. ليس لها إلا الله الله يسترها الله معها.. يدعو عم سعد.. ... اليوم .. كانت جنازة أولادي وأمي وزوجتي.. لم استطع حتي مواراة أجسادهم في الثري.. لم أتمكن من وداعهم.. تركتهم وجئت أستعوض الله فيمن تبقى لي.. ابن.. وحفيد.. لا يعلم مصيرهما إلا الله.. كل ما أرجوه من السلطة المصرية أن تسامحني في المائة جنيه وتنقل ابني من مستشفى العريش إلى مستشفى معهد ناصر فقد يشفي.. خليه يسند ضهري!! المعجزة.. آلاء.. آلاء منصور جبريل طفلة لم يتعد عمرها أحد عشر عاما أراد لها الله عزّ وجلّ النجاة لتكون معجزة إلهية يحكي عنها الأطباء فقد اصطادها قناص الكيان الصهيوني أثناء عودتها من مدرستها فأصابها بطلق ناري في جبهتها من الأمام لتخترق الفص الأمامي من المخ وتتخطى قاع الجمجمة فتستقر في الفك السفلى، وقد أصبحت حالة آلاء مستقرة وربما يقرر الأطباء إجراء جراحة لها. أما إسماعيل فايز أحمد الكفارنة 18 سنة، طالب بالمرحلة الثانوية فيقول إنه كان يجلس مع أربعة من أصحابه حينما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة بيت حانون فسقطوا جميعا شهداء بينما أصيب هو اصابات بالغة نتج عنها بتر في ساقه اليسرى واصابات خطيرة في جانبه الأيمن وفي الرأس وصلت إلى المخ.. حكايات أخرى وجرحى كثيرون لم نتمكن من رصد أحداثهم لعدم قدرتهم على الحديث وذلك لسوء حالتهم الصحية.. ولكن.. يبقى أن نقول إن ما يحدث على أرض الواقع أكبر وأعظم بكثير من أي كلام. وهكذا أنتهى كلامنا مع الجرحى، نقلنا من السنتهم جانب من المأساة التي يعيشها أهلنا في فلسطين المحتلة مأساة شعب مسلم يباد ووطنه يسلب وسط امة مسلمة تتجاوز المليار نسمة صامتة وعالم ظالم يكيل الأمور بمكيالين ويصمت على المعتدي الجبان الذي يواصل قتله للنساء والاطفال وحسبنا الله ونعم الوكيل