دنشواي العبرة والدرس
Jul ٠٩, ٢٠٠٦ ١٧:٠٠ UTC
تحتفل مراكز شعبية ووطنية واسلامية في مصر الان بذكرى مرور قرنا من الزمان على حادثة دنشواي المروعة، وفي هذه الأيام تعيش الأمة العربية والإسلامية محنة الولاء للأجنبي على حساب الوطن والشعب، فلقد قام حكام
هدى امام مراسلتنا في القاهرة تحتفل مراكز شعبية ووطنية واسلامية في مصر الان بذكرى مرور قرنا من الزمان على حادثة دنشواي المروعة، وفي هذه الأيام تعيش الأمة العربية والإسلامية محنة الولاء للأجنبي على حساب الوطن والشعب، فلقد قام حكام هذا العصر بفتح الأبواب على مصاريعها أمام الحلف الصهيوني الأنجلو ساكسوني تحديدا ليعيث فسادا في بلداننا, و ليتحرك ثقافيًّا وسياسيًّا وعسكريًّا في أمان دون أدنى اعتبار لشعوب أغلبيتها العظمى مسلمة تقطن هذه الأوطان ، ومن المفارقات أن تتواصل توجهات بطرس غالي الجد في مصر إلى عصرنا ممتدة لقرن كامل، حيث تنافس العملاء في أغلب فتراته لتنفيذ المخططات ضد بلادهم في سبيل المكاسب والمناصب الذاتية، بينما القوى الوطنية والإسلامية التي تسعى لفك أغلال الوطن تعاني من الحصار والظلم والقهر والقمع. ولعل من أهم الدروس المستقاة من وراء حادثة دنشواي أنه لا أمانَ لوطنٍ يدخله غازيا أجنبيٌّا ً مهما ادعى, ومهما أنكر أنه يحتل البلاد ليمتص خيراتها, وعندما يتذوقها .. يتذوق تلك الخيرات .. فإنه لن يتخلى عنه إلا بالدماء, ولا بد من فهمٍ صحيحٍ لعقيدة جهاد العدو حتى تتحرر الأوطان. وهنا يقول الباحث عمرو محمود في تحليل له بمناسبة مرور قرن على حادثة دنشواي "إن العبرة والدرس من دنشواي تبقى خالدةً على مدى الدهر، إنه يوم أن يكون الخصم هو الحكم فإنها المهزلة بذاتها.. إن العبرة والدرس من دنشواي أن التاريخ يسجِّل، والشعوب لا تنسى، والخيانة جريمة ليس لها غفران أو تكفير." • الحادثة تقول كتب التاريخ " في يوم الأربعاء الثالث عشر من يونيو 1906م كانت قرية دانشوي تعيش موسم جمع محصول القمح، عندما دخلها على غير موعد عددٌ من أفراد كتيبة إنجليزية كانت تتحرك من القاهرة إلى الإسكندرية وبدأوا في اصطياد الحمام الذي يربيه الأهالي، وبجوار أجران القمح التي لا تخلو من وجود أصحابها بجوراها، وبينما هم كذلك أصابت رصاصةٌ زوجةَ مؤذن القرية (صاحب أحد الأجران) وأشعلت رصاصةٌ ثانيةٌ النار في جرن القمح فهبَّت القرية كلها في وجه الغرباء الذين اعتدوا على قريتهم وأشعلوا فيها النيران، وجرت مواجهةٌ محدودةٌ بين الأهالي والغرباء أصيب على إثرها عدد من الأهالي، بينما فرَّ أحد الضباط هاربًا تحت الشمس الحارقة وأصابته ضربة شمس أودت بحياته. طار الخبر الى الحكومة بالقاهرة, وبلغت الأنباء الكتيبة الإنجليزية التي كانت على مقربة من موقع الحادث، فصدرت الأوامر إليها بالتحرك لنجدة أفرادها، وعندما كانوا في طريقهم شاهدوا فلاحًا مصريًّا يقدم الماء إلى الضابط الذي يحتضر من إثر ضربة شمس فقتلوا الفلاح المسكين وتقدَّموا إلى دنشواي في هجوم انتقامي على أهالي القرية العزَّل وجرت الاعتقالات العشوائية وتم نصب المشانق قبل المحاكمة نفسها وتجلَّت مظاهر انتقام جيش الاحتلال من قرية مصرية عَزلاء حاولت الدفاع عن نفسها ضد غرباء دخلوها بلا استئذان وعاثوا فيها فسادًا ولهوًا وعبثًا. • الأنتقام الرهيب وما هي إلا أيام معدودة (أسبوع واحد) حتى صدر في العشرين من يونيو قرار وزير الحقانية بطرس غالي باشا بتشكيل المحكمة لمحاكمة 59 متهمًا وترأَّس المحاكمة بطرس غالي نفسه, وكان عضوًا بها أحمد فتحي بك زغلول (شقيق سعد زغلول) مع ثلاثة قضاة من الإنجليز، وقام إبراهيم الهلباوي بدور المدعي العام، وبعد أسبوع من تاريخه صدرت الأحكام القاسية بإعدام أربعة من أهالي دنشواي والسجن المؤبد لاثنين والأشغال الشاقة لمدد أخرى مع جَلد عدد من المتهمين وتم التنفيذ بطريقة غاية في البشاعة والهمجية؛ حيث تم حشد الأهالي لمشاهدة المجزرة البشعة، وكان الفزع والرعب يملآن قلوبهم، بينما تشقُّ صيحاتُهم عنانَ السماء، مستغيثةً ومطالبةً بالرحمة من الله وحده، فقد استسلم الحكام وخاف الناس وبلغت القلوب الحناجر من المواجهة غير المتكافئة بين رجال عزَّل وكتيبة من جيش أكبر دولة في العالم. وهنا لابد من ان نشير الى أن الدكتور بطرس بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة والسكرتير العام الحالي للفرانكوفونية ورئيس المجلس القومي المصري لحقوق الانسان حاليا والمتزوج من سيدة يهودية تعتنق الفكر الصهيوني هو حفيد بطرس غالي رئيس المحكمة المشار اليها والتي اعدمت الفلاحيين, كما ان وزير المالية المصرية يوسف بطرس غالي هو ايضا حفيدا له, ومكنهما من العمل العام في مصر ثانية بعد تفجر ثورة 23 يوليو الرئيس الراحل انور السادات مؤسس نظام كامب ديفيد وظل تمكينهما ينمو ويتسع في عهد الرئيس مبارك. • مصطفي كامل المهم لم تكن الساحة خاليةً من الشجعان كما تبدو الأحداث، فرغم خيانة بطرس غالي رئيس المحكمة التي قضت بالأحكام الجائرة ومشاركة "فتحي زغلول" شقيق في الجريمة إلى جانب الهلباوي الخائن الذي مثَّل دور الادعاء ضد المتهمين.. كان لمصر فارسها ولسانها الصادق الغيور على وطنه المدافع عنه ضد جرائم الاحتلال الأجنبي، إنه مصطفى كامل، الشاب الذي لم يكن قد تعافَى من مرضه بعد، ورغم ذلك قام بأكبر حملة في أوروبا يفضح فيها جرائم الإنجليز في مصر ويطالب بالجلاء والاستقلال، ومما كتبه في هذه الفترة في مقال نشرته (الفيجارو) الفرنسية: "إني أسأل الأمة الإنجليزية والعالم المتمدِّن إذا كان يصحُّ التسامح في إغفال مبادئ العدل والشرائع الإنسانية إلى هذا الحد!! إني أسأل الإنجليز الغيورين على سمعة بلادهم وكرامتها أن يقولوا لنا إذا كانوا يرون أن بسط النفوذ الأدبي والمادي لإنجلترا على مصر بالظلم والتعسف وصنوف الهمجية!! إني أسأل الذين يجاهرون في كل مكانٍ وآنٍ، ذاكرين الإنسانية، مالئين الدنيا بعبارات الانفعال والسخط إذا حدثت فضائع في بلاد أخرى دون فضيعة دنشواي ألف مرة أن يثبتوا صدقَهم وإخلاصهم بالاحتجاج بكل قوة وشدة على عمل فضيع يكفي وحده لأن يسقط إلى الأبد تلك المدنية الأوروبية في أعين العالم كافة. إني أسأل الأمة الإنجليزية إذا كان يليق بها أن تترك الممثلين لها في مصر يلجأون بعد احتلال دام أربعة وعشرين عامًا إلى قوانين استثنائية ووسائل همجية بل وأكثر من همجية ليحتلوا مصر ويعلموا المصريين ماهية كرامة الإنسان؟!" ووفق ما يقوله عمرو محمود "كانت هذه كلمات مصطفى كامل الزعيم الوطني الحر تقطر شجاعةً وقوةً وحجةً وبلاغةً أمام المحتل الأجنبي الذي يمارس الهمجية والإرهاب تحت شعارات الإنسانية والسلام العالمي وغيرها من الكلمات التي يستخدمها طغاة كل عصر". • والخلاصة وبالطبع كان في مصر وقتها حكاما وقصرا ملكيا حاكما .. لكنهم .. سلموا أرادة البلد للغزاة وباتوا ادوات طيعة في تنفيذ أوامرهم تحت ستار ديمقراطية مزيفة على غرار ديمقراطية الرئيس الامريكي جورج بوش التي يحاول ان يصدرها لبلادنا حاليا، وأصبح هؤلاء الحكام في حالة من الضعف والهوان جعلتهم يحتمون بالأجنبي، لكن ظلت الحركة الوطنية المصرية تتنامى وتنتفض أما الثأر فقد كان لا بد أن يتم، وقد حدث باغتيال بطرس غالي باشا رئيس المحكمة الغادرة جزاء جرائمه العديدة في حق الوطن، وأما الثورة فكان الاستعداد لها يجري على قدم وساق , وتفجرت في عام 1952م بقيادة عبد الناصر وقادت حربا لاهوادة فيها ضد الحلف الانجلوساكسوني الصهيوني, وقاد السادات الثورة المضادة ووقع صك الأستسلام في كامب ديفيد برعاية الحلف الصهيوني الأنجلوساكسوني, وهو صك التفريط في سيادة مصر والذي أعاد المنطقة العربية كلها وليس مصر الى عصر التبعية والأستعمار من جديد. وعلى غرار ما حدث لبطرس غالي الجد تم اغتيال السادات لكن على أيدي رجال جيشه،وهكذا, وباتت مصر وفق قراءات اغلب المحللين تنتظر تغيير وشيك ... وما أشبه الليلة بالبارحة.