خطاب المصالحة لإقناع المسلحين بتطليق الارهاب
Jun ١١, ٢٠٠٦ ١٧:٠٠ UTC
يعزو العديد من متتبعي أحداث الساحة الأمنية بالجزائر، تراجع قوة الجماعات الإسلامية المسلحة وهزيمتها المرتقبة، إلى ثلاثة عوامل أساسية
يعزو العديد من متتبعي أحداث الساحة الأمنية بالجزائر، تراجع قوة الجماعات الإسلامية المسلحة وهزيمتها المرتقبة، إلى ثلاثة عوامل أساسية: تشديد قبضة قوات الأمن عليها، أثر مجموعة تدابير تهدئة تعفي المسلحين من المتابعة القضائية في مقابل التخلي عن السلاح و دور ما يعرف بأقطاب "السلفية العلمية" في إقناع المسلحين بتطليق الإرهاب. تتحدث مصالح الأمن في الوقت الحالي عن "ربع الساعة الأخير" في عمر الجماعات المتشددة تعبيرا عن اندحارها الوشيك، بعد أن قتل المئات من أفرادها وجنوح آخرين إلى السلم وترقب نزول أعداد أخرى من الجبال التي تحتضن العمل المسلح منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي. وتتوقع السلطات إلتحاق الكثير من المسلحين بأهاليهم قبل 28تموز القادم، تاريخ إنقضاء مهلة يمنحها لهم مشروع يسمى "السلم والمصالحة" يتناول إجراءات تنص على وقف كل أشكال المتابعة القضائية ضد المسلحين في حال تسليم أنفسهم. وبدأ العمل بالمشروع رسميا في 28 فبراير /شباط الماضي وخضع للإستشارة الشعبية في 29 سبتمبر/أيلول 2005 حيث حظي بموافقة غالبية الجزائريين. وتعول السلطات كثيرا على خطاب المصالحة في التأثير على مواقف أكثر المسلحين تعنتا، وتستعين في ذلك بأشخاص محسوبين على تيار "السلفية العلمية"، المعروفين بالإعتدال والوسطية ونبذ العنف مهما كانت أسبابه، ولم يترددوا في الدخول في اتصالات مباشرة مع المسلحين في معاقلهم متحفزين بفتاوى علماء بارزين أمثال عبد الله بن باز وناصر الدين الألباني ومحمد بن صالح بن عثيمين. ويقود هذا التيار جزائري مقيم بالسعودية يدعى عبد المالك رمضاني حيث يسعى منذ ست سنوات، بتكليف من السلطات، إلى ترويج فكرة أن "الجهاد في الجزائر ثورة خوارج". وينفي رمضاني في كتاب شهير موجه للمسلحين في الجبال جمع فيه فتاوى العلماء المذكورين حول الدماء التي سالت في الجزائر، صفة السلفية عن الجماعات المسلحة. ويستهدف تحديدا "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، كبرى فصائل العمل المسلح. حيث يقول أنها "تدعي الإنتساب إلى الدعوة السلفية المباركة، وهي التي تسببت في طول عمر الفتنة بما كانت تموه على الناس من أنها لا تقتل إلا من يستحق القتل، وأن العلماء معها حتى اضطر العلماء ومنهم السلفيون بالضبط، للرد عليهم والتبرؤ من دعواهم". وإن كان خطاب "السلفية العلمية" القائم على عدم جواز الخروج عن الحاكم في البلد المسلم، ساهم في دفع الكثير من المسلحين إلى تطليق الإرهاب فإنه زاد رؤوس الجماعات المسلحة قناعة بأن مساعي السلفيين غير الجهاديين "لاتعدو أن تكون مؤامرة تقودها المخابرات لتثبيط عزيمة المجاهدين"، وذلك كاف في نظرهم لتكفيرهم والدعوة لقتلهم. وبسبب التنسيق مع أجهزة الأمن وكثرة التردد على معاقل المسلحين، تعرض إمام بالعاصمة ينتمي للسلفية إلى التصفية الجسدية عام 2003 ، يدعى "أبو حفص".وفي مارس الماضي لقي شخص يكنى "القعقاع" نفس المصير، لأنه عرف بنشاطه الحثيث في اتجاه دعوة المسلحين، الذين كان ضمنهم في وقت مضى، إلى التعاطي إيجابيا مع خطاب المصالحة. وتذكر مصادر على صلة بالملف الأمني، أن لجوء السلطات إلى رموز "السلفية العلمية" لوقف العمل المسلح، تم بعد أن رفض قادة تنظيمات مسلحة سابقا ورموز أخرى من التيار السلفي المتشدد توجيه نداء للتخلي عن السلاح. وتعتقد السلطات أن لهؤلاء مصداقية لدى المسلحين، أبرزهم الرجل الثاني في "الإنقاذ" علي بن حاج وزعيم "الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد" سابقا علي بن حجر. وفيما يعتقد الأول أن تنظيم محاكمة تحضرها الأطراف المتسببة في العنف، "أسبق وأولى من إقرار مصالحة تجعل الضحية جلادا والجلاد ضحية"، رفض الثاني لعب أي دور في هذا الإتجاه "لأنني لا أملك ضمانات للمسلحين تبعث على الثقة في وعود السلطة"، حسبما ذكره لصحافيين مؤخرا. واللافت أن كل المبادرات التي تأتي من السلطات تكون أداتها قيادات سابقة في العمل المسلح، موصوفة بالمناورة عند زعامات التنظيمات الإرهابية الحالية وبالتالي فهي مرفوضة، حتى إن كان مصدرها قائد ميداني مثل مدني مزراق مسؤول "الجيش الإسلامي للإنقاذ" الذراع المسلحة لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ" سابقا. وتأكيدا على "صدق النية" تقول السلطات أنها أصدرت عفوا عن 6آلاف شخص مقابل وضع السلاح بموجب مشروع سياسي صدر عام 2000، وأن هؤلاء عادوا إلى الحياة العادية. لكن "تائبين" عن المسلحين يقولون أن الذين استفادوا من العفو، يواجه أغلبهم البطالة والإقصاء الإجتماعي ولم يحصل بعضهم على وثائق إثبات الهوية ويجدون صعوبات في تسجيل أبنائهم في المدارس لأنهم غير مقيدين في سجلات الحالة المدنية بحكم أنهم ولدوا في الجبال، وعوامل أخرى تجعلهم يعتقدون أن السلطات لا تتحلى بإرادة سياسية تحفز على الإنخراط في مسعى إسكات لغة السلاح.