التنازلات المستحيلة
Jun ٠٩, ٢٠٠٦ ١٧:٠٠ UTC
تشهد العلاقات المصرية الأمريكية الان تدهورا غير مسبوق، على خلفية ضغوط واشنطن على القاهرة الرسمية، وعلى الرغم من حرص الدبلوماسية الأمريكية من حين الى آخر على توضيح أن ما يربط واشنطن بالقاهرة الرسمية علاقات أستراتيجية لا تتأثر بأي سبب مهما كان، لكن يبدو أن
هدى امام مراسلتنا في القاهرة تشهد العلاقات المصرية الأمريكية الان تدهورا غير مسبوق على خلفية ضغوط واشنطن على القاهرة الرسمية، وعلى الرغم من حرص الدبلوماسية الأمريكية من حين الى آخر على توضيح أن ما يربط واشنطن بالقاهرة الرسمية علاقات أستراتيجية لا تتأثر بأي سبب مهما كان، لكن يبدو أن العلاقات الأستراتيجية بين البلدين يوجد سببا وحيدا فقط الان يجعلها قابلة للتأثر وهو تهديد كرسي الحكم في القاهرة، وها هي امريكا تتطلع لتنازلات لو تمت ستشكل خطرا فادحا على امن مصر القومي مقابل تغاضيها عن عملية الاصلاح في القاهرة، وتلك التنازلات لم يكن بمقدور اية قيادة في مصر ان تلبيها، ومنها التنازل عن جزء من سيناء كوطن بديل للفلسطينيين، والمصيبة ان واشنطن لا تريد ان تفهم ذلك، وتواصل ضغوطها على قيادة مصر. ويبدو ان حكومة القاهرة وجدت ان لا حل امامها سوى تبني اصلاح ينبع من مصر والتصدي للضغوط الامريكية في هذا الاتجاه، واستندوا في ذلك الى ضعف الموقف الأستراتيجي لأمريكا في المنطقة، وراهنوا على علاقات جيدة بالكيان الصهيوني والذي لم يطالبهم باصلاحات، انما نشر بالقاهرة مرارا ان الارهابي شارون توسط للرئيس المصري لدى جورج بوش حتى لا يحقق الاخوان مكاسب اكبر في الانتخابات البرلمانية وجراء تلك الوساطة تم تزوير واسع في المرحلتين الثانية والثالثة في الانتخابات، واستشهد وجرح العشرات من انصار التيار الاسلامي برصاص الشرطة المصرية، التي منعت الناخبين من التصويت وفق ما هو معلن ومعروف. ومن هنا نتفهم اسباب استدعاء مصر لدبلوماسيين في السفارة الامريكية بالقاهرة ليحضروا ابلاغ مديرة معهد امريكي مهم يعمل بمجالات الحريات وحقوق الانسان بالقاهرة ان المعهد غير مرغوب في وجوده بمصر، وهو المعهد الجمهوري التابع للحزب الجمهوري الامريكي، وهو معهد جاء الى مصر وعمل فيها بدون ترخيص وبرضا الحكومة المصرية منذ الانتخابات البرلمانية والرئاسية الاخيرة وقبيل اكثر من عام. ولقد سيطرت حالة من الغموض على العاملين بالمعهد الجمهوري بمنطقة الزمالك الراقية بقلب القاهرة وبدا وكأنه تحول إلى ساحة لتلقي العزاء، وأغلق المعهد أبوابه في انتظار عودة مديرته جينا لندن من دبي في حين كشف عمر حجازي المحامي بشركة الشلقامي القانونية ـ وهي الممثل القانوني للمعهد في مصر ـ عن مفاجأة بأن الشركة لم تكن تعلم أي شيء عن نشاط المعهد مع الأحزاب والقوي السياسية. ويرتبط نشاط المعهد في القاهرة بمساع أمريكية لطرح قضية أوضاع الأقباط النصارى في مصر في مؤتمر دولي في الأمم المتحدة بالتعاون مع الاتحاد القبطي العالمي والمجلس اليهودي الأمريكي لمناقشة ما أسماه "نشر التسامح إزاء الأقليات في الشرق الأوسط". وتزامن ذلك مع استمرار نشاط ـ زميله ـ المعهد الديمقراطي الذي لم يحصل على تصريح لعمله في مصر حتى الآن في القيام بأنشطة سرية كان آخرها اجتماع عقد مؤخرا في فندق ماريوت الزمالك حضره 22 من ممثلي المنظمات الحقوقية وتركز على إدارة الحملات الانتخابية وجذب مزيد من المتطوعين لما اسموه دعم المشاركة السياسية. وأكدت مصادر دبلوماسية إبلاغ قرار وقف نشاط المعهد للسفارة الأمريكية بالقاهرة محذرين من أن ممارسة المعهد لنشاطه سيظل متوقفا على موافقة الجهات المعنية ومنها وزارة الخارجية وأن أي عمل سيقوم به المعهد قبل ذلك يعتبر غير قانوني. وربطت المصادر بين تصريحات لندن ومساعي الإدارة الأمريكية حاليا لعقد المؤتمر الدولي في الأمم المتحدة والذي سيتم خلاله التركيز على قضية الأقباط في مصر. ومن جانبه قال عمر حجازي المحامي بشركة الشلقامي القانونية والمسئول بشأن حصول المعهد الجمهوري على ترخيص العمل، أنه لا يعلم بنشاط المعهد مع الأحزاب السياسية وإصداره التقارير ووجهات النظر، التي رأت فيها وزارة الخارجية إساءة لمصر وتدخلا في شئونها الداخلية. وفي الوقت الذي علمنا فيه عدم حصول المعهد الديمقراطي على تصريح عمل بالقاهرة حتى الآن، رغم تقدمه بالأوراق لوزارة الخارجية، استمر المعهد في خطة عمله السرية مع الجمعيات والمنظمات الأهلية، حيث عقد اجتماعا مؤخرا بفندق ماريوت بالزمالك امتد من الساعة 11 صباحا حتى الساعة 6 مساء وحضره أكثر من 22 ممثلا لجمعيات أهلية من القاهرة والمحافظات المختلفة، كان في مقدمتهم أحمد سميح مدير مركز الأندلس وأيمن عقيل مدير مركز ماعت وإيهاب خليل رئيس مركز الحوار الوطني وعماد رمضان العضو السابق لجمعية تنمية الديمقراطية ورضا عبدالعزيز من مجلس حقوق الإنسان وعدد كبير من نشطاء حقوق الإنسان غير المعروفين على الساحة، والملفت للانتباه ان قرار مصر تجاه المعهد جاء بعد ان اصرت ادارة بوش على منح القاهرة الرسمية المعونة الاقتصادية المقررة لها كاملة كما انه جاء اثر زيارة قامت بها بعثة مكونه من 22 عضوا بالكونجرس الامريكي لمصر واثر لقاء مهم جمع السفير الامريكي بالرئيس المصري حيث تم استدعاء السفير الامريكي الى واشنطن من اجل التشاور معه حول الاوضاع في مصر كما اعلنت دوائر مصرية، كما جاء وقف نشاط هذا المعهد بعد حبس المعارض ايمن نور زعيم حزب الغد المدعوم امريكيا وقمع تظاهرات الاصلاحيين واعتقال 750 منهم، وايضا بعد زيارة مهمة قام بها جمال مبارك نجل الرئيس المصري الاصغر و رئيس لجنة السياسات بالحزب الحاكم، لواشنطن. ومن الواضح ان كل تلك التحركات المصرية الامريكية المشار اليها تحمل مؤشرات سلبية بالنسبة للعلاقات الرسمية المصرية الامريكية وانها على الاقل في الوقت الراهن تدخل نفق شبه مسدود لكون ان القيادة المصرية استنفذت كل ما لديها من تنازلات، وواشنطن تريد منها ما لا تقوى عليه ومن هنا تصطدم طموحات القيادة المصرية المستقبلية مع المطامع الامريكية، والنتيجة ستظهر في وقت قريب جدا ربما اقرب مما نتصور وانشاء الله تكون لصالح مصر المسلمة العربية.