الخيار الصيني
Jun ٠٢, ٢٠٠٦ ١٧:٠٠ UTC
تعتبر الصين الشعبية الدولة الرئيسية العظمى ربما الوحيدة في عالم اليوم التي تحاول ان تلعب دورا عاقلا ومتوازنا على صعيد العلاقات الدولية ، وهي دائما ما تظهر نوعا من التعاطف مع قضايانا كمسلمين منذ تفكك ما كان يعرف سابقا بالإتحاد السوفيتي وانهياره
هدى امام مراسلتنا في القاهرة تعتبر الصين الشعبية الدولة الرئيسية العظمى ربما الوحيدة في عالم اليوم التي تحاول ان تلعب دورا عاقلا ومتوازنا على صعيد العلاقات الدولية ، وهي دائما ما تظهر نوعا من التعاطف مع قضايانا كمسلمين منذ تفكك ما كان يعرف سابقا بالإتحاد السوفيتي وانهياره. ومن هنا نجد دولا اسلامية تشعر بظلم الحلف الصهيوني الأمريكي وهيمنته على المنطقة ومحاولاته لفرض الأستسلام عليها لصالح الكيان الصهيوني تلك الدول تتطلع نحو علاقات صداقة وتعاون مع الصين من الممكن ان تخلق توازنا للقوى في المنطقة وتردع أطماع الهيمنة الأمريكية على مقدراتها، على أعتبار أن الصين هي القوة التي يتنبأ خبراء الأستراتيجية في مختلف مراكز البحوث بصعودها مستقبلا كقوة عظمى كبيرة ووحيدة نظرا للمعطيات التنموية التي تعيشها الآن. وهنا تحضرني واقعة في سفارة دولة اسلامية في العالم العربي نحترم قيادتها لأجتهادها في الصمود بمواجهة الحلف الصهيوني الامريكي، نقول كنت في زيارة للسفارة وبالتحديد لدى دبلوماسيا رفيعا فيها ففوجئت به يقول لي لو كنت من قيادتنا السياسية لسمحت بأقامة قواعد صينية و روسية في بلادي لمواجهة المظالم الامريكية الصهيونية. وبغض النظر عن صحة تفكيره من عدمه انما ما اردناه من وراء ذكر الواقعة ان الكثير من قادة الدول الاسلامية يتطلعون للصين حاليا ، وواشنطن ذاتها بدأت تشعر بذلك الخطر على نفوذها فخلال مناقشة لجنة الاعتمادات في الكونجرس الامريكي للمعونه المقدمه لمصر طلب مسئولا في الكونجرس تخفيض مائتي مليون دولار منها الى جانب تخفيض المعونة العسكريه فرد عليه ديفيد وولش وهو مسئول بارز في وزارة الخارجية الامريكية قائلا ساعتها سيتجه المصريون للصينيين والكوريين للتزود بالسلاح الى جانب الروس. وعلى كل فإن ما سبق، نذكره بمناسبة مرور نصف قرن على اقامة علاقات دبلوماسية ما بين مصر والصين وبالتحديد في الثلاثين من مايو عام 1956 أصدرت الحكومتان الصينية والمصرية بيانا مشتركا لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما على مستوى السفراء رسميا. في يوليو من نفس العام، وصل أول سفير صيني إلى القاهرة لمباشرة مهام عمله. وقدم أول سفير مصري لدى الصين حسن رجب أوراق اعتماده للرئيس ماو تسي تونغ يوم 17 سبتمبر، وحضر مراسم تقديم أوراق الاعتماد رئيس مجلس الدولة ووزير الخارجية شو ان لاي. ووقتها قال الرئيس ماو تسي تونغ للسفير المصري وهو يصافحه ويتسلم منه اوراق اعتماده إن الصين ومصر من الدول ذات أعرق الحضارات بالعالم، وللصداقة التقليدية بين شعبينا تاريخ عريق، ولذلك التاريخ يحرص الشعب الصيني على إقامة علاقات جديدة للصداقة والتعاون مع الشعب المصري. وكما صرح وزير الإستثمار المصري محمود محي الدين بهذه المناسبه فأن الفترة الأخيرة شهدت تطورا فى علاقات التعاون الإستراتيجى بين مصر والصين حيث تعززت الثقة المتبادلة والتنسيق بين البلدين فى مجال الإستثمار. وقال محي الدين " ان حركة الإستثمار الصيني تشهد تدفقا سريعا إلى مصر وقد شهد عدد الشركات الصينية أو الصينية المصرية المشتركة المسجلة فى مصر زيادة كبيرة " . وأضاف انه " حدث تقدم فى مساهمة الصين فى المنطقة الإقتصادية الحرة بشمال غرب قناة السويس / شرق مصر / حيث تم إنجاز الطرق وشبكات الصرف الصحي فى المنطقة الثالثة وبعد الإنتهاء من إنشاء البنية التحتية سيتم بيعها للمستثمرين ". وردا على سؤال حول تبادل الخبرات والإستفادة المشتركة بين البلدين ، قال محيى الدين " ان مصر أعدت قانونا يحاكي قانون المنطقة الشرقية في الصين وهي منطقة جواندونج الشهيرة " ، مشيرا إلى ان مصر " تعتز بالتجربة الصينية المتفردة فى سياسات الإستثمار والإنفتاح على العالم الخارجي والحفاظ على مكافحة الزيادة السكانية ". وأضاف " ان مصر متأثرة بالتجربة الصينية خاصة في مجال التنمية السريعة والتركيز على الإستثمار ". وحول التبادل التجارى بين مصر والصين مؤخرا ، قال محي الدين " ان العلاقات الإقتصادية والتجارية بين البلدين تطورت أيضا بخطوات سريعة ففى العام الماضي بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 1.09 مليار دولار فى عام 2003 بزيادة نسبتها 15.4 فى المائة عن عام 2002 . وقفز حاليا الى مليار ونصف دولار بزياده نسبتها 19،1% . و ما يكشف عمق العلاقات المصرية الصينية في اعقاب قيام ثورة 23 يوليو المصرية الملفات التي أعلنت وزارة الخارجية الصينية مؤخرا انتهاء فترة سريتها، وتشير تلك الملفات لتأكيدات الرئيس ماو تسي تونغ مرات، في بداية فترة تأسيس الصين الجديدة، أن مساعدة الصين للدول العربية يجب أن تكون "مساعدة قوية ومجانا" . ووفقا لمقولة الرئيس ماو للعرب تجربتان رائدتان وبارزتان في هذا المجال مع الصين واقصد مجال المساعدات الصينية لدول عربية في مواجهة الحصار الامر يكي التجربة الاولى ايام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والتجربة الثانية حديثا ايام يانج زيمين والبشير في السودان وهي تجربة لاتزال ممتدة ومبهرة. وتلك المساعدات تقدمت الصين بها لدول عربية في الوقت الذي لم تكن فيه الصين غنية اقتصاديا،لكنها بذلت جهودا كبيرة لمساعدة الدول العربية، الأمر الذي لا يزال تذكره للصين حتى اليوم الكثير من الدول العربية. وفي سبتمبر من عام 1956، تكشف الوثائق السريه المفرج عنها حديثا تعهد الرئيس ماو تسي تونغ، في مقابلة له مع حسن رجب، أول سفير لمصر لدى الصين، بأن تقدم الصين لمصر معونة اقتصادية قيمتها 20 مليون فرنك سويسري. وفي أكتوبر من ذلك العام اعتدت القوى الغربية على مصر من أجل السيطرة على قناة السويس، مما فجر حرب الشرق الأوسط الثانية. في ذلك العام، كانت الصين قد أقامت العلاقات الدبلوماسية مع عديد من الدول العربية، فوقفت إلى جانب الشعوب العربية وقفة حازمة. ووفقا للملفات التي أعلنت وزارة الخارجية انتهاء فترة سريتها، بعث رئيس مجلس الدولة شوان لاي برقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر من أجل تقديم التبرعات، وكتب فيها: تتخذ الصين حكومة وشعبا مختلف الإجراءات لدعم النضال الشجاع الذي تخوضه مصر حكومة وشعبا. قررت حكومة الصين تقديم معونة مالية نقدية قيمتها 20 مليون فرنك سويسري لمصر، لتلبية نداء حكومتكم الكريمة الأخير. ووقتها لم تكن الصين قد شفيت تماما من جراح الحرب الاهلية ، وكانت تواجه حصار الدول الغربية. وكان احتياطي العملة الصعبة للصين 840 مليون دولار أمريكي فقط، وكان إجمالي قيمة التجارة الخارجية ملياري دولار أمريكي فقط. وجاء في سجلات الملفات التي أعلنت وزارة الخارجية الصينية انتهاء فترة سريتها ايضا أن الرئيس جمال عبد الناصر قبل معونة الصين بسرور، ورد برسالة إلى رئيس مجلس الدولة شو أن لاي قائلا: دعمكم لنضالنا لحماية الحرية والاستقلال عزز ثقتنا بقضيتنا العادلة. إن هذا يوضح حب شعوب العالم للسلام وكراهيتها للعدوان. وقد تركت الصداقة التي أقامها الجيل القديم من قادة الصين ومصر أثرها على العلاقات الثنائية بعدهم.واليوم لا يزال يتذكر كثير من الصينيين والمصريين على السواء الذين عاشوا تلك الفترة أنه في سبتمبر عام 1970 بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، نكست كل الأجهزة الحكومية والموانئ بمدن بكين وشانغهاي وتيانجين ونانجينغ وقوانغتشو وووهان وداليان وتشينغداو العلم الوطني الصيني تأبينا لصاحب الفضل في إقامة العلاقات الصينية العربية والصينية الأفريقية.بعد ذلك أقامت كل الدول أعضاء جامعة الدول العربية العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وعلى كل فعلى الرغم من علاقات التبعية والشراكة الاستراتيجية التي تربط ما بين حكومة مصر وواشنطن فان القيادة المصرية تفعل باستمرار علاقات التعاون الاقتصادي مع الصين وان كان الخبراء في مصر بهذا المجال يرون ذلك غير كافي ويتسائلون: هل يواصل القادة العرب والمسلمين بشكل عام توجههم نحو الاصدقاء في الصين لبناء شراكة اقتصادية حقيقية تقوم على التعاون من اجل التنمية والاستقرار والسلام بعيدا عن سياسات الهيمنة والعدوان والتسلط والطغيان الامريكية ؟ هل يستيقظ قادتنا ويشعروا بقيمة المارد الصيني القادم على ضوء تجربة بلادنا الحسنة مع الصين ؟ نتمني ذلك وهو ما سوف تكشف عنه السنوات القليلة المقبلة.