حلب عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2006
May ٠٨, ٢٠٠٦ ١٧:٠٠ UTC
ريادة معمارية وفكرية وفنية ودور اقتصادي لأكثر من عشرة آلاف سنة أسبغت حضورها العميق على حياة المدينة العربية الشمالية ، وما زالت حتى اللحظة تمتاز بلون خاص بها يفرضه الحضور الديني والاثني الثري بين مسيحيين ومسلمين ، عرب وأتراك وأكراد وأرمن
يندر أن توجد مدينة في المشرق العربي تتفوق على حلب بعمقها الحضاري الضارب لأكثر من عشرة آلاف سنة أسبغت حضورها العميق على حياة المدينة العربية الشمالية ، وما زالت حتى اللحظة تمتاز بلون خاص بها يفرضه الحضور الديني والاثني الثري بين مسيحيين ومسلمين ، عرب وأتراك وأكراد وأرمن .. حتى تكاد تغدو المدينة بقاطنيها الأربعة ملايين نسمة أنموذجا فريدا لتعايش نادر في المشرق . وجاء الاحتفال الذي سيمتد على مدى العام الجاري بأسره بحلب " عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2006" ليعيد التذكير بأهمية المدينة ودورها الحضاري الموغل في القدم ، وليتفاجئ كثير من السوريين ، وربما من أهالي حلب أنفسهم أن مدينتهم هذه ليست مدينة "فن القدود الغنائي " أو "الكبة الحلبية " كما أنها ليست فقط المنتجة الأولى لصابون الغار والزعتر كما ينظر إليها في الثقافة الشعبية السورية وربما العربية . حلب أكبر من كل هذه العناوين التي كرسها الإعلام عن جهل أو استسهال للعمل أحيانا بحثا عن إعداد برامجي سهل يتجنب غالبا الغوص في جوهر المدينة كما ظهرت أخيرا ضمن تغطيات التلفزيون والصحف الرسمية . والواضح أن إحدى أهم نتائج الاحتفالية المتواصلة على مدى العام الجاري أنها عرفت السوريين أولا بحضارة إحدى أهم مدن المشرق عبر التاريخ طالما أن التغطية الإعلامية بقيت باهتة عربيا ولم تتجاوز حتى الآن تغطية الاحتفال الرسمي ببدء الاحتفالات التي تمت في 18 آذار ( مارس ) الماضي برعاية الرئيس بشار الأسد واستنفار إعلامي سوري كبير لتغطية الحدث. تراث معماري وفكري المراسلون والإعلاميون الذين توافدوا لتغطية الاحتفالية والتعريف بالمدينة بهرهم الغنى الأثري الذي تختصره حلب بدءا بقلعتها الخالدة الأقدم في العالم والأكبر داخل مدينة بمساحة 20 هكتارا في القاعدة و 11 هكتارا في الأعلى فضلا عن 682 مسجدا و 43 كنيسة و 68 خان و 117 حمام . تلك الأرقام ومعلومات أخرى غزيرة جدا يتغنى الأمين العام للعاصمة الثقافية محمد قجة بإطلاع الضيوف عليها ، حتى ليبدو أن المناسبة على اتساعها مسألة شخصية له يتوج بها مسيرته الفكرية بعد عقود من العمل في تاريخ حلب ووصوله مؤخرا الى تحديد المنزل الذي كان يعيش فيه الشاعر أبو الطيب المتنبي . لماذا حلب عاصمة للثقافة الإسلامية ؟ سؤال يختصر تاريخ المدينة وعمقها الحضاري ولا يمل قجة من الإجابة عنه عشرات المرات في بعض الأيام . يقول قجة جوابا على السؤال : حلب تتميز بأربعة أمور تجعلها عاصمة للثقافة الإسلامية دون منازع ،التميز المعماري والتراث الفكري والدور الاقتصادي عبر التاريخ والفن . ويضيف في حلب 100 موقع مسجلة لدى "اليونسكو" كتراث إنساني وموقعان في موسوعة " غينيس " الأول قلعتها باعتبارها الأكبر عالميا والثاني أسواق حلب وعددها 39 سوقا ، لو وضعت على خط واحد لبلغ طولها 15 كيلو مترا وهي الأطول في العالم . تمتاز حلب عن المدن الإسلامية الكبرى بمحافظتها على نحو 80 في المائة من نسيجها العمراني القديم متفوقة بذلك على دمشق والقاهرة اللتان مزقتهما الشوارع الحديثة وألغت معالمها ، كما أن العمارة الإسلامية فيها متفوقة على عمارة اسطنبول والقاهرة ودمشق ففي هذه المدينة معالم معمارية وأثرية من شتى الحقب الإسلامية بدءا بالراشدية ممثلة بمسجد الشعيبية العائد الى عام 16 للهجرة مرورا بالعصور الأموية والعباسية والحمدانية والأيوبية والسلجوقية والعثمانية وحتى العصر الراهن ، وعن كل مرحلة من تلك المراحل هناك عشرات المعالم جوامع وخانات وأسواق وحمامات ودور أثرية .. فيما يسبغ اللون العثماني اسطنبول والفاطمي والمملوكي القاهرة ، مما جعل حلب تحتل المرتبة الأولى بين المدن الإسلامية التي نافستها للظفر بالعاصمة الثقافية مناقشات المعنيين في منظمة المؤتمر الإسلامي. وقدمت المدينة نسبة عالية من المؤلفين بالعربية على مدى تاريخها الإسلامي ، وتأتي بعد بغداد وأصفهان بعدد من يحملون كنية المدينة " الحلبي " كما قدمت قامات خالدة في الفكر والفلسفة والشعر من أمثال الفارابي والمتنبي وأبو فراس الحمداني وابن جني .. ولا يقل دورها الاقتصادي أهمية إذ كانت محطة تجارية هامة منذ الألف الثالث قبل الميلاد بين حضارات الفرات ودجلة والبحر المتوسط ، وبرز الدور جليا بعد أن أصبحت مدينة ضمن إمبراطورية مترامية الأطراف الأمويون ثم العباسيون والمماليك والعثمانيون ، فكانت طرق الحرير والتوابل والمنسوجات تمر عبرها مما يفسر وجود العدد الكبير من الخانات وقدرة المدينة ، كما تشير المخطوطات ، لاستقبال نحو 20 ألف جمل محملة بالبضائع يوميا مع توفير إيواء مرافقيها وتخزين بضائعهم في فترات طويلة من تاريخها. تلك العوامل أفرزت تلقائيا حياة الترف الفني بصورته الموسيقية والغنائية خصوصا ، فالفن باعتباره نتيجة لحالة ازدهار اقتصادي وعمراني وفكري وجد في حلب بيئة مناسبة للنمو والازدهار ، حتى يكاد لا يخلو منزل في حلب من آلة موسيقية أو مغن ، بل إن المنزل الحلبي القديم ضم مكان لجلوس العازف أو المغني في مكان بارز ضمن فنائه . تلك العوالم يدعمها حضور 12 طائفة مسيحية 6 كاثوليك و 4 أرثوذكس و 2 بروتستانت وأثنيات متعددة بثقافاتها وعوالمها الخاصة بها الى جانب المسلمين أعطت الحضارة الإسلامية في المدينة صبغة مميزة على مدى مئات السنين الأمر الذي " جعل حلب عاصمة للثقافة الإسلامية دون منازع "كما يقول قجة متفاخرا.