أستراتيجية الفراولة
May ٢٠, ٢٠٠٦ ١٧:٠٠ UTC
منذ 8 اعوام بالتحديد كان مصدر حزبي مصري نثق فيه ثقة مطلقة في مهمة بالسودان والتقى وقتها بالدكتور حسن عبد الله الترابي رئيس البرلمان السوداني آنذاك، ودار بينهما حوارا فكريا حول العلاقات المصرية السودانية، فقال له الترابي
هدى امام مراسلتنا في القاهرة منذ 8 اعوام بالتحديد كان مصدر حزبي مصري نثق فيه ثقة مطلقة في مهمة بالسودان والتقى وقتها بالدكتور حسن عبد الله الترابي رئيس البرلمان السوداني آنذاك، ودار بينهما حوارا فكريا حول العلاقات المصرية السودانية، فقال له الترابي عندما قامت ثورة الأنقاذ في السودان جاء الينا في الخرطوم الرئيس مبارك وعرضنا عليه أن نتعاون ثلاثتنا مصر وليبيا والسودان بالأرض والعمالة والخبرة والتقنية والأموال ونزرع مشروعا واسعا ًلأنتاج القمح يغطي أحتياجاتنا. يقول المصدر نقلا عن حسن الترابي " الا أنني ذهلت عندما فوجئت بالرئيس المصري يرفض بشدة ويقول لي أنت عاوز أمريكا تضربنا تاني يوم ورفض طبعا". و نفس الكلام الذي نقله المصدر عن الترابي قالته مصادر ليبية لساسة من مصر، وهو منطق يكشف بجلاء لماذا ظلت واشنطن تدعم نظام الرئيس مبارك وتعتبره الأفضل بعد الكيان الصهيوني في المنطقة على مدار الربع قرن الأخير ؟ • أستراتيجية جديدة فالولايات المتحدة لم تمنح مصر معوناتها أعتباطا انما كان من شروط تلك المعونات لقطاع الزراعة، تبني أستراتيجية جديدة تعتمد بالأساس على التوسع بالزراعات الأستهلاكية أو التي تسمي بالتجارية مثل الفاكهة والخضروات والورود والنباتات الطبية على حساب الحبوب والزيوت وقصب السكر والقطن وهي محاصيل امن قومي وتلك الأستراتيجية أستمرت لمدة ربع قرن او يزيد اي بطول عهد الرئيس مبارك ويبدو انها لا تزال تتواصل. وكان وزير الزراعة المصري الأسبق يوسف والي رائد مدرسة التطبيع مع الكيان الصهيوني بمصر يطلق عليها استراتيجية الفراولة. ولذلك لن نستغرب ابدا ونحن نرى مصر تتحول من دولة رائدة في تصدير الأقطان فائقة الطول في التيلة الى دولة مستورد لجانب مما تحتاجه من الأقطان قصيرة التيلة، ولم نستغرب لثبات الفجوة القمحية المصرية على مدار أعوام وجود الرئيس مبارك في السلطة، ولن نفكر طويلا ونحن نرى مصر تستورد غالبية ما تحتاجه من زيوت والبان ولحوم، وحتى الفول والعدس باتت تستوردهما أنه نتاج سياسة توقف تنمية المحاصيل الأستراتيجية. وكانت حجة المعونة الأمريكية خبيثة حيث يزعم خبرائها أن مصر أرضها محدودة ولذلك فمن الأجدى اقتصاديا لها أن تتخصص في انتاج الفراولة والورود والخوخ والمشمش والكنتالوب وتسوقهما وتشتري الحبوب وخصوصا القمح ، وهنا نجحت هيئة المعونة الأمريكية في فتح أسواق لها في مصر. ومصر تستهلك حوالي 14 مليون طن من القمح والدقيق تنتج منها حاليا 45 % تقريبا وهي تحتل بجدارة ربما المرتبة الأولى والثانية في استيراد القمح على مستوى العالم وتشكل الولايات المتحدة أهم الأسواق التي تستورد منها القاهرة اقماحها. وما يجعلنا نعالج مشكلة القمح في مصر في هذه الرؤية القنبلة التي فجرها وزير الزراعة الأسبق وعضو مجلس الشعب الحالي المهندس احمد الليثي امام البرلمان المصري في صورة بيان عاجل القاه قبل عدة ايام وتناول خلاله مشكلة القمح و أزاح النقاب عن وجود مخططات لعدم تحقيق مصر اكتفاء ذاتي من القمح، بما يشير بوضوح لكلام الدكتور حسن الترابي ويؤكده. ووجَّه الليثي- الذي كان يتحدَّث لأول مرة تحت القبة منذ ترك موقعه قبيل اقل من عام باعتباره نائبًا عن الشعب أثناء مناقشة البرلمان لـ33 بيانًا عاجلاً وطلب إحاطة حول مشكلة القمح نقول وجه الليثي قذائفَ قاتلةً للحكومةِ تتضمن اعترافاتٍ خطيرةٍ من مسئولٍ سابقٍ نالت تصفيقًا حادًّا من نوابِ الإخوان المسلمين والمستقلين والمعارضة بل وبعض نواب الأغلبية!! • أسباب أطاحته وهنا لا بد من ان نشير الى معلومة لم يقلها المهندس احمد الليثي امام البرلمان الا وهي ان الرئيس المصري أطاح به من موقعه لتبنيه سياسة تحقيق الأكتفاء الذاتي من القمح والحبوب والنهوض بالمحاصيل الأستراتيجية وهو ما أحتجت عليه هيئة المعونة الامريكية لكونه يضر بمصلحة المنتج الامريكي الذي يصدر القمح والحبوب لمصر. وقد بدأ الليثي حديثه بالتأكيد على أنه لم يكن ينوي الحديث طوال هذه الدورة البرلمانية، إلا أنه لا يملك الصمت إزاء قضية خطيرة مثل قضية القمح، ونوَّه إلى أنه عندما تولى مسئولية الوزارة في يوليو 2004م كانت هناك مدرسةٌ متبعةٌ منذ 23 عامًا هي مدرسة الميزة النسبية أو ما عُرِفَ وقتها بسياسة الفراولة والكنتالوب، والتي تعتمد على زراعة محاصيل ذات ميزة نسبية لمصر تُغطي استيراد القمح، ورفض الليثي الحديث عنها سلبًا أو إيجابًا. وأضاف: إنني منذ توليت الوزارة وعرضتُ على رئيسِ الوزراء ورئيس الجمهورية خطةً شاملةً، كان على رأسها الارتقاء بزراعة القمح، وبالفعل زادت المساحة خلال موسم واحد من 2.5 إلى 3 ملايين فدان، وارتفعت الإنتاجية من 6 إلى 8 ملايين طن، كما زاد معدل التوريد إلى 2.6 مليون طن، ولولا العراقيل التي وُضعت في التسليم لتضاعفت هذه الكمية. وكان من الممكن ان يعترض الرئيس المصري او رئيس وزرائه على خطة الليثي المتعلقة بتحقيق الأكتفاء الذاتي من القمح لكنه لم يعترض وترك الرجل ينفذ خطته وعندما بدأت تثمر فوجيء الليثي بأنه خارج التشكيل الوزاري على الرغم من وجوده بموقعه الوزاري فترة لا تتعدى العامين والرئيس مبارك المعروف عنه انه لا يغير معاونيه بسهولة. واستطرد الليثي قائلاً امام البرلمان : القضية بالفعل خطيرة، وإذا خرجنا من سوق القمح كما خرجنا من سلع أخرى ستكون الطامة كبرى ولن نشعر بها قبل 5 سنوات، والله أعلم بمصير مَن يجلسون على الكراسي الوزارية حاليًا، فالقضية أكبر من أي شخص، وإذا كان البعض يرى أن سعر التوريد المحلي أعلى من السعر العالمي وبالتالي يرجع وفق النظرة الاقتصادية والاستيراد من الخارج.. فإنني أرى أن القمح سلعةٌ سياسيةٌ وإستراتيجيةٌ ولا تنطبق عليها المبادئ الاقتصادية. وأضاف: تصوروا ماذا سيفعل المواطن البسيط الذي يستيقظ من الصباح الباكر لشراء الخبز لو لم يجد أفران الخبز تعمل؟ ولو أنَّ الدولَ التي نستورد منها القمح امتنعت لأي سببٍ عن التصدير ماذا ستُفيدنا الخزائن المملوءة بالأموال؟ فالرئيس مبارك قال: "مَن لا يملك قوت يومه لا يملك قراره"، وقد وضعنا إستراتيجية القمح على هذا الأساس وكانت كل المؤشرات تؤكد إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي. • أراء النواب وما أن بدأ الليثي كلامه الا وكان النائب سعد خليفة قد أكد أنَّ القمحَ سلعةٌ إستراتيجية، وزراعته أمن قومي لمصر، وفي فترات سابقة كانت الحكومة تُعاني من وصول السفن المحمَّلة بالقمح من الدول الأجنبية قبل انتهاء المخزون بأسبوعين أو أكثر، وكانت تضطر لاستلامه ولكنها رفضت أن تتسلمه هذا العام من الفلاحين المصريين قبل 1/5/2006م، مشيرًا إلى أنه بدلاً من تشجيع الفلاحين بزراعة القمح رفضت الشئون الاجتماعية استقبال القمح ووصل سعرُه إلى 150 جنيهًا فقط، وهناك شائعة أن العام القادم سيكون بـ90 جنيهًا، وهذا سيجعل الفلاحين يعدلون عن زراعته في الأعوام القادمة. وطالب النائب إبراهيم زكريا يونس بوضع سياسة واضحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح لخطورة ذلك على الأمن القومي المصري. بينما أكد حمدي إسماعيل وجود مؤامرة ضد الفلاح المصري؛ حيث أصدر وزير التضامن الاجتماعي القرار 40 لسنة 2006م بعد استلام القمح قبل 1/5، وكذلك تدني سعره الذي أدى إلى خسائر فادحة للفلاحين؛ حيث وصلت الخسارة الكلية في الإسماعيلية وحدها 7.5 مليون جنيه. ووجَّه النائب مصطفى عوض الله الشكرَ لوزير الزراعة السابق أحمد الليثي الذي وضع خطةً لزيادة الإنتاج المحلي من القمح، ووصل العام الماضي إلى ثلاثة ملايين أردب، مشيرًا إلى أنَّ الأوضاعَ الحالية غريبة، وستؤدي إلى الإضرارِ بهذه السلعة الإستراتيجية، مطالبًا برفع سعر توريد القمح، وأن تكون هناك سياسةٌ واضحةٌ في هذه القضية. وأكد النائب موسى غنوم أنَّ الموقفَ خطيرٌ ولا يجب الإكتفاء بطلبات الإحاطة، وكان من الواجب أن يتم استجواب الوزير حول قراراته المتضاربة التي تمس مستقبل قطاعٍ عظيمٍ من هذه الأمة، مؤكدًا أن الفلاحَ سيمتنع عن زراعة القمح في السنوات القادمة، وهذا سيُعرِّض أمننا القومي ومصالحنا الإستراتيجية للخطر. وقال يحيى المسيري: إن مصر كانت سلة الغلال للمنطقة كلها، والفلاح الآن يتم خنقه وبيعه لنظيره الأمريكي، حيث إنها تمتنع عن استلام القمح منهم في مقابل القمح الأمريكي. وأشار أشرف بدر الدين إلى أنه في الوقت الذي تسعى الحكومة للاكتفاء الذاتي من القمح حتى تكون قراراتها نابعةً من إرادتها نجد أن وزير التضامن الاجتماعي أصدر خلال شهر واحد عددًا من القرارات المتضاربة التي أحدثت زوبعةً كبيرةً، ومنها غلق الشِّوَن لعدم صلاحيتها واستلام درجة واحدة من القمح واشترط الحيازة الزراعة، مشيرًا إلى أنَّ مصر ثاني دولة على مستوى العالم في استيراد القمح والذي يصل سنويًّا إلى 6.8 مليون طن، مطالبًا الحكومة بمراجعة هذه القرارات ودعم زراعة القمح لتحقيق الاكتفاء الذاتي. • تجربة مهمة وأيا كان الأمر ففي تقديري ان تجربة مصر من التجارب المهمة جدا لأي خبير او لأية دولة تريد أن تعرف تداعيات السياسات المدمرة للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لكون ان واشنطن توظف كل مليم تقدمه كمساعدة لأي دولة في خدمة مصالحها دون أدنى مراعاة لمصالح الدولة الشريكة لها في التعاون. وما ذكرناه بخصوص القمح هو وقائع ثابته ويعرفها كل المعنيين بقضيته، فأي مسئول حاول أن يتبنى مشروع قومي في هذا السياق سياق الأكتفاء الذاتي والأعتماد على النفس تمت اطاحته ولزم منزله أنها أستراتيجية الفراولة ولا حول ولا قوة الا بالله.