تقرير حول ظاهرة الزواج العرفى فى مصر
Dec ١٤, ٢٠٠٥ ١٧:٠٠ UTC
انتشرت فى الآونة الأخيرة أنماط مستحدثة من الزواج فى مصر وعلى رأسها الزواج العرفى وزواج المسيار.
ويعتبر الزواج العرفى أشهر هذه الأنماط ومن أبرز الظواهر السلبية التى شاعت بشكل كبير فى المجتمع المصرى، حيث شهدت الفترة الأخيرة انتشار هذا النوع من الزواج وارتفاع نسبته خاصةً بين طلبة وطالبات المرحلتين الثانوية والجامعية رغم تحريم مفتى الديار المصرية له بشكل قاطع واعتباره بمثابة الزنا وكذا رغم تجريمه من الناحية المجتمعية. تقوم هذه العلاقة المسماة بالزواج العرفى على مجرد الاتفاق بين الشاب والفتاة على الزواج سواء كان ذلك أمام أحد أصدقائهما أو أى شاهدين أو حتى بدون شهود، حيث يقوما بكتابة ورقة يوقعها الطرفان تنص على اتفاقهما على الزواج، ومن ثم لا يحتاج هذا الزواج إلى توثيق رسمى أمام المأذون أو المحكمة الشرعية وإنما هى مجرد ورقة تسمح للطرفين بممارسة كافة الحقوق الشرعية المسموح بها لأى زوجين دونما ترتيب لأى واجبات أو التزامات من أى الطرفين قبل الأخر. وعادة ما يتسم هذا النوع من الزواج بطابع السرية وعدم العلانية، ومن ثم يفتقد إلى شرطى العلانية والإشهار اللازمين لأى زواج إسلامى صحيح فضلاً عن افتقاده لشروط الولى الشرعى، الإيجاب، والشهود العدول. وقد شهدت السنوات الأخيرة تطور الزواج العرفى فى مصر من شكله التقليدى المتمثل فى كتابة ورقية خطية إلى زواج الكاسيت والذى لا يحتاج فيه الطرفان إلى أكثر من تسجيل موافقتهما الصوتية على شريط كاسيت. كما ظهر زواج الدم والذى يقوم فيه الطرفان بجرح إصبع كل منهما ثم ضغط الأصابع المجروحة بالقرب من بعضهما البعض حتى يختلط دم الشاب والفتاة معاً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تطور إلى ابتكار صور جديدة للزواج العرفى مثل الزواج بدق الوشم أو بالطوابع. وقد تم مؤخراً إجراء بحث علمى فى مركز البحوث الفلسفية التابع لجامعة القاهرة ونُشرت أهم نتائجه فى جريدة الأهرام اليومية –حول الزواج العرفى من خلال القيام ببحث ميدانى على شريحة من الشباب وصل عددهم إلى ألف طالب وطالبة من جامعات القاهرة وعين شمس وحلوان. وقد كشف هذا البحث عن العديد من المفاجأت والتى كان أولها أن الشباب يتزوجون عرفياً دون إدراك لمدى خطورة ما يقومون به وأنهم يتعاملون مع الأمر بقدر كبير من الاستخفاف والاستهتار إلى الحد الذى أمكن للباحث من خلاله الخروج باستنتاج أنه لا يمكن للزواج العرفى أن يدوم لأكثر من ستة أشهر بين معظم من أقدموا عليه، وأن الإقدام على هذا الزواج كان إما بسبب الرغبة الجنسية أو لمجرد خوض التجربة. كما أظهر هذا البحث الميدانى أن الشباب كانوا يتعمدون تكتم هذا السر ورفض وجوده بل ولم يعترف بممارسته سوى طالب واحد فقط من بين العينة التى بلغ عددها ألف طالب وطالبة. وفيما يتعلق بالفتاة، فقد أظهر البحث أن موقفها كان يتسم بالكثير من التهور والجرأة، فهى قد تكون مخطوبة رغم أنها متزوجة عرفياً ولكنها تخفى الأمر عن أسرتها وعريسها، وقد تدفع الفتاة حياتها ثمناً لهذا الزواج إذا حملت وماتت أثناء الإجهاض، بالإضافة إلى ما قد تتعرض له من إهانة وأذى قد تصل إلى قتلها على يد أسرتها إذا افتضح أمرها. وقد أوضح البحث أن الأسرة هى المسئول الأول عن حدوث مثل هذا السلوك بسبب إهمالها وتقصيرها فى التربية السليمة والتنشئة الدينية القويمة، وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن وراء كل حالة زواج عرفى يوجد أبوين لا يعرفان شيئاً عن الأبناء ولا يكلفان خاطرهما مشقة المتابعة والتربية. كما يحمل النظام التعليمى نصيبه فى المسئولية بسبب تجنبه الاقتراب من بعض الموضوعات الحساسة مثل الثقافة الجنسية وتعاطى المخدرات وغيرها. وبالمثل تتحمل وسائل الإعلام المختلفة قدراً كافياً من المسئولية وعلى رأسها وسائل الإعلام المرئية، حيث تقوم بعرض الزواج العرفى وكأنه أضحى حقيقة واقعة وحل سهل للكثير من المشكلات بالإضافة إلى ما تقوم هذه الوسائل بعرضه من مواد تؤدى لإثارة الغرائز وتدعو إلى التحرر واللامبالاة بالمعايير والأعراف المجتمعية من خلال قيم مستحدثة على مجتمعنا الشرقى المسلم. وقد خلصت الدراسة إلى عدد من التوصيات لعل أهمها ضرورة البحث فى الأسباب التى تؤدى للزواج العرفى (السرى) والعمل على حل المشكلات التى تدفع إليه كمشكلة البطالة، الدعوة إلى عدم المغالاة فى متطلبات الزواج من مهر وشبكة وشقة وغيرها، إيجاد الوسائل الملائمة لعرض الثقافة الجنسية من خلال القنوات التربوية لتجنب الآثار السلبية لعرضها فى وسائل الإعلام خاصةً فى عصر الفضائيات والسماوات المفتوحة، مراعاة الموضوعية فى تعرض وسائل الإعلام لقضية الزواج العرفى، الاهتمام بالتنشئة الدينية والأخلاقية وتفقيه الشباب بصحيح الدين ورأى علمائه المعتدلين فى مثل هذه القضايا الشائكة، وتدريب الأسر على كيفية سد الفجوة بين الأجيال وتحسين وسائل التخاطب بين الأباء والأبناء. وعلى هذا يمكننا التأكيد على العديد من العوامل والأسباب الفردية والمجتمعية التى تؤدى للزواج العرفى وعلى رأسها سوء الحالة الاقتصادية، ارتفاع نسبة البطالة، غلاء المهور ومتطلبات الزواج، ارتفاع سن الزواج، انتشار نسبة العنوسة بين الفتيات، ضعف الوازع الدينى، وتفشى المغريات فى المجتمع بدون ضوابط والانفتاح غير المنضبط على العالم الخارجى وهى كلها عوامل تدفع الشباب إلى البحث عن وسيلة لإشباع رغباتهم بطريقة غير مقيدة قانوناً أو مادياًُ ولتبرير علاقات محرمة. ومن ثم تتضح خطورة هذا النوع من العلاقات لما تسببه من شرخ فى المجتمع وتفكك فى منظومة القيم والتقاليد وإثارة العديد من القضايا الشائكة مثل إثبات البنوة والنسب والميراث وارتفاع عدد اللقطاء والأطفال غير الشرعيين، فالخاسر الأول فى مثل هذه العلاقات هو دائماً الفتاة التى تجد نفسها قد انخرطت فى علاقة معيبة يشوبها اللغط وعلامات الاستفهام ولكن بعد فوات الآوان.