رواية لم تُدرج ضمن لائحة أعمال الكاتب الروسي سولجنتسين
https://parstoday.ir/ar/news/uncategorised-i77328-رواية_لم_تُدرج_ضمن_لائحة_أعمال_الكاتب_الروسي_سولجنتسين
كان قراء الكاتب الروسي ألكسندر سولجنتسين يظنون أن روايته الأولى هي «يوم في حياة دينسوفيتش» التي نشرها عام 1962 في المجلة السوفياتية
(last modified 2020-07-13T05:28:27+00:00 )
Nov ٢٧, ٢٠٠٧ ٢٠:٣٠ UTC
  • رواية لم تُدرج ضمن لائحة أعمال الكاتب الروسي سولجنتسين

كان قراء الكاتب الروسي ألكسندر سولجنتسين يظنون أن روايته الأولى هي «يوم في حياة دينسوفيتش» التي نشرها عام 1962 في المجلة السوفياتية

كان قراء الكاتب الروسي ألكسندر سولجنتسين يظنون أن روايته الأولى هي «يوم في حياة دينسوفيتش» التي نشرها عام 1962 في المجلة السوفياتية الشهيرة «نوفي مير» في عهد نيكيتا خروتشوف الذي أذن بنشرها شخصياً. لكن هذه الرواية البديعة التي تفضح خفايا معتقلات «الغولاغ» الستالينية والتي صنعت شهرة صاحبها عالمياً لم تكن الأولى بل سبقتها رواية مجهولة عنوانها «أحبَّ الثورة». هذه الرواية لا تزال سرّاً من أسرار هذا الكاتب الكبير الذي كان واحداً من المنشقين الكبار أيضاً طوال عقود. فهو لم يكملها ولم يأذن بنشرها إلا في العام 1997 بعد زهاء ستة وخمسين عاماً على كتابتها. ولم تُدرج هذه الرواية ضمن لائحة أعماله، ونادراً ما ورد ذكرها وكأن كاتبها شاءها أن تظل قابعة في أدراج الذاكرة. إلا أن هذه الرواية الناقصة بدت أشبه بالمفاجأة الجميلة في ترجمتها الفرنسية التي أنجزتها فرانسواز لوسور (دار فايار)، ولعلها الترجمة الأولى لها الى لغة أجنبية. كتب سولجنتسين هذه الرواية عام 1941 وكان في الثانية والعشرين، أي قبل أربعة أعوام من دخوله السجن في «الغولاغ» تبعاً لنشاطه المعادي للثورة البولشفية كما أفادت التهمة التي وجّهت اليه. والمصادفة ان سولجنتسين باشر كتابة هذه الرواية في العام الذي اجتاح النازيون روسيا (1941) ما جعلها شهادة حيّة عن هذا الاجتياح وعن الحرب التي دارت لاحقاً بين ألمانيا هتلر وروسيا ستالين. وكان سولجنتسين على يقين من أن الاتحاد السوفياتي كان قادراً على تحاشي هذه الحرب المدمرة لو أن ستالين عرف كيف يتواطؤ مع هتلر. وحمّل ستالين تبعة الحرب وما نجم عنها من خراب معتبراً إياه مسؤولاً أكثر من هتلر عن هذه الكارثة روسيا. هذا الموقف هو الذي أدّى الى سجنه ثمانية أعوام وقد كتب خلالها بالسر روايته «يوم في حياة دينسوفيتش».تحمل الرواية الأولى «أحبّ الثورة» بذور عالم سولجنتسين الروائي الذي تجلّى لاحقاً. البطل الذي يُدعى، في أحد أسمائه، نيرجين لن يلبث أن يظهر في رواية «الدائرة الأولى». ولعله شخص سولجنتسين نفسه في مرآة الكتابة. فسيرة هذا البطل تحمل ملامح من سيرة الكاتب، وحماسته للفكرة الروسية تشبه أيضاً حماسة الكاتب لها. إنها قصة نيرجين، الفتى النحيف الذي ينهي في الثالثة والعشرين دراسة الرياضيات في جامعة روستوف. لكن التاريخ والفلسفة يجذبانه فيلجأ الى موسكو بغية الالتحاق بمعهد الفلسفة والتاريخ. ويكون اليوم الذي عليه أن يجري فيه امتحان الدخول تاريخياً: يوم بدء الاجتياح الألماني للاتحاد السوفياتي. الشاب المتحمس للانخراط في الحرب دفاعاً عن وطنه يُرفض من جراء ورم في رأسه يوشك أن يصبح سرطانياً. ولكن بعد إصراره تلحقه السلطة بسلاح المدفعية. وفي قلب المعارك وعبر المهمات التي أوكلت إليه يكتشف الوجه الآخر للثورة والجيش الأحمر، ويدرك معنى السجن و «البوليس» وكراهية المواطنين للسلطة الجديدة.يصف سولجنتسين الجنوب الروسي خلال الحرب وصفاً تفصيلياً، دقيقاً وحياً. وتبدو المعارك أشبه باللوحات الكلاسيكية الحافلة بالعربات والجياد والجنود، وتبرز الجبهات وخطوط المواجهات وحالات الانكفاء الى الوراء والجماعات والقطارات... رواية حقيقية، ذات منحى كلاسيكي واضح، كتبها سولجنتسين عبر لسان الراوي (الهو) معتمداً لغة شبه شعبية، لغة الناس في حياتهم اليومية. وبدت «عين» السارد أداة مهمة عبر مراقبتها الحادة لأحوال المواطنين وللأشياء والتفاصيل. بعد عودته الى روسيا عام 1994 من منفاه الطويل، وكانت مضت خمسة أعوام على سقوط جدار برلين، تردد سولجنتسين في نشر هذه الرواية التي استوحى عنوانها من قصيدة للشاعر الرومنطيقي البولشيفي بوريس لافرينوف، ثم وافق على نشرها بعد ثلاثة أعوام. إلا أن هذه الرواية التي رحّب بها القراء والنقاد في روسيا ما برحت أقرب الى السرّ الذي يكتنف حياة سولجنتسين الشاب الذي يشبه بطله: لماذا لم يكملها لاحقاً؟ هل أنسته إياها سنوات السجن الذي زجّ فيه عام 1945 لا سيما بعدما واجه ظروفاً قاسية جداً وغير إنسانية؟ أم أنه وجد فيها عملاً أوّل يحمل ملامح الكتابة البريئة وغير الناضجة؟غالباً ما يخفي الكتّاب أعمالهم الأولى متجاهلين إياها أو حاذفين إياها من لائحة أعمالهم، وذريعتهم أنها اعمال تتلمس طريقها الى الكتابة. رواية سولجنتسين هذه تنم عن نضج ووعي فني وحذاقة في السرد والوصف... رواية جميلة حقاً ولو لم يكملها. وقد يكمن سرّها في أنها رواية ناقصة، رواية شاء صاحبها أن يكملها القارئ، بل القراء، كل على طريقته.