مشروع "الكتاب للجميع" يصدر مسرحية لأنطون تشيكوف بالقاهرة
Jan ٠٨, ٢٠٠٨ ١٧:٠٠ UTC
صدر العدد الـ69 من مشروع "الكتاب للجميع"، وهو سلسلة الكتاب الشهري الشعبية التي تعيد إصدارها دار المدى للثقافة والنشر في دمشق، وتوزع مع بعض الصحف في كل من مصر ولبنان والبحرين والكويت والإمارات والعراق وسوريا والعربية السعودية.
ويوزع الكتاب بالمجان برفقة العدد المحدد لإحدى الصحف بكل دولة مرة واحدة شهريا. وهذه وقفة للإشادة بهذا الجهد المخلص الجاد، الذي يهدف إلى المحافظة على أمهات الكتب في ذاكرة الأجيال الجديدة، مع كونها بلا مقابل. أما العدد 69 فقد تضمن مسرحية الرائد المسرحي والقاص الروسي أنطون تشيكوف (1860-1904) المسماة "الشقيقات الثلاث"، ووزع مع جريدة القاهرة الثقافية في مصر . أشار الناقد د. علي الراعي في مقدمته للكتاب إلى بعض ملامح مسرح تشيكوف، ومنها: السخط أو النقد الاجتماعي، قليل الحركة، التطويل أحيانا في الحوار، المزاوجة بين الواقعية والرمزية، نظرا لبطء الحركة الظاهرة لأبطاله. بالعموم لم يسلم الكاتب من النقد اللاذع، حتى أن تولستوي قال عن إحدى مسرحياته "طير البحر" ذات مرة "إنها كلام فارغ: الكلمات فوق أكوام فيها أكوام، بلا معنى، ولا غاية."، وهو ما علق عليها د. الراعي بأن تولستوي تجنى على الكاتب، وإن وضع يده على إحدى ملامح مسرحه الفنية . يعد تشيكوف من مؤسسي فن القصة القصيرة، حيث تناول عزلة الإنسان ومعاناته وعجزه، وهو ما كنت عليه أحوال الناس في بلده في تلك الفترة، خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والأولى من القرن العشرين. وإن تميز أسلوبه بالوضوح وبالبساطة. أما في مجال المسرح، فقد قدم منذ عام 1887 عددا من المسرحيات، من أبرزها: "طائر النورس"، "الخال فانيا"، "بستان الكرز"، و"الشقيقات الثلاث"، نظرا لأهمية تلك الأعمال وغيرها، ترجمت إلى العديد من اللغات العالمية، ومنها اللغة العربية، خصوصا فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. كتبت مسرحية "الشقيقات الثلاث" عام 1901، وتدور أحداثها حول ثلاث شقيقات يعشن في بيت واحد، إلا أن حياتهن ممتلئة بالعقبات والمشاكل والحرمان بصنوفه. بعد وفاة الأب عائل الثلاثة شعرن بالفقد، وخلا البيت من حكمته وحسن إدارته لمشاكل الحياة اليومية. ولعبت الأقدار لعبتها: فالابنة الكبرى عانس، وتعانى الكثير من المشاعر القاسية والحرمان من دفء العواطف والمشاعر، بينما الوسطى على شفا مرحلة العنوسة، مهددة بها لو لم تتزوج هذا الشاب القبيح الهيئة والسلوك الذي تقدم للزواج بها، ولا تحبه، فيما كانت الابنة الصغرى متزوجة، إلا أنها لا تقل عنهن في مشاعر الورطة وأحاسيس الحرمان، لأن زوجها لا يحمل إليها الطمأنينة ولا المشاركة الإيجابية بينهن. وقد شبه البيت الذي يجمعهن ببيت العنكبوت، تأكيدا لصورة الذباب الذي يسقط في شبكة خيوط العنكبوت. "أولجا" البنت الكبرى تشكو من الصداع والنفور من عملها، بعد أن تركت الأسرة مدينة "موسكو" وانتقلت إلى إحدى المدن الريفية، تقول "أحسست يوما بعد يوم أن عافيتي وشبابي ينزفان مني نقطة إثر نقطة." بينما تعبر الوسطى عن أحوالها قائلة "خير للمرء أن يكون ثورا أو مجرد حصان، لا يهم أيهما طالما كان قادرا على العمل." أما "ايرينا" فبالرغم من أنها لم تتعد سنوات شبابها الباكرة بعد، فهي تشعر بمرارة وألم كبيرين لأنها لم تحب، لم تعرف طعم العاطفة.تقول "إنى تعسة. لا أستطيع العمل، ولن أعمل. كفى! كفى كنت عاملة تليغراف، والآن أعمل في مكاتب المجلس، وليس في قلبي سوى المقت والاحتقار لهذا العمل". عاد ثلاثتهن إلى البقاء معا داخل البيت، لتنتهي المسرحية، وبريق الحياة يخبو، حتى ينطفئ تماما في قلوبهن وأرواحهن. لم تكن النهاية في المسرحية، هكذا بليدة وقاسية. إن تشيكوف ينهي مسرحيته بنغمات موسيقية روحية تدعو إلى كثير من الأمل: حيث الفرقة الموسيقية العسكرية ترحل عن البلدة وهي تعزف موسيقاها المرحة المبهجة، والشقيقات الثلاث يتابعنها بنشوة، وكأنهن يعزفن لحنا مرحا جديدا للحياة. تقول إحداهن "ماشا"، "سنظل وحيدات وعلينا أن نبدأ من جديد." وتقول "ايرينا"، "سيأتي يوم يعرف فيه الكل لماذا، ولأي غرض، نتعرض لكل هذا العذاب." وتقول "أولجا"، "عذابنا هذا سينقلب إلى سعادة لمن يأتون بعدنا." النصر النهائي للإنسان، وإن انهزم في إحدى المعارك. تلك النهاية كان لها ما يبررها فنيا داخل أحداث وحوارات المسرحية، الحوار البطيء المتثاقل، وهى من أهم خواص تشيكوف التي عابه عليها البعض.