صدور مختارات شعرية تضم أعمال 60 شاعراً لبنانياً معاصراً
Mar ٠٤, ٢٠٠٨ ١٧:٠٠ UTC
أصدرت اللجنة الوطنية لليونيسكو بالاشتراك مع دار الفارابي في لبنان "ديوان الشعر اللبناني المعاصر- مختارات"
أصدرت اللجنة الوطنية لليونيسكو بالاشتراك مع دار الفارابي في لبنان "ديوان الشعر اللبناني المعاصر- مختارات" من إعداد وتقديم حمزة عبود.واعتبرت اللجنة الكتاب باكورة نشاطها في إطار الاحتفال بالذكرى الستين على إنشائها. وجاء في مقدمة الأمينة العامة للجنة سلوى السنيورة بعاصيري أنها ارتأت ان تصدر الكتاب في صيغة ورقية بعد ان أدرجته موسعاً على صفحات موقعها الإلكتروني، ليكون في متناول من لا يزال عبق الحبر يشكل له عطراً فوّاحاً، ومن يبقى تقليب صفحات الكتاب ولمسها يأتيانه بمتعة لا توازيها أخرى، ومن تستمر علاقته التاريخية بالكتاب توفر له سبيلاً معرفياً لا يضاهيه أي من الوسائط البديلة. وجاءت في مقدمة عبود ان المختارات لأكثر من ستين شاعراً يمثلون مختلف الاتجاهات والتحولات التي عرفتها الحركة الشعرية في لبنان منذ منتصف القرن الماضي. وهي تحاول أن تقدم صورة للمشهد الشعري في هذه المرحلة تتيح للقارئ ان يتبين الملامح الأساسية لهذه الحركة من جهة، وأن يلمّ بأبعاد عدد من التجارب الشعرية البارزة من جهة ثانية. ولذلك فإن عدد الصفحات والقصائد المختارة هنا من الشعراء لا يعبر، في جميع الحالات عن موقع الشاعر ومدى حضوره أو تأثيره في الحركة الشعرية اللبنانية بقدر ما يحاول الكشف عن تجربة الشاعر والأبعاد التي اتخذتها هذه التجربة على أكثر من صعيد. إلا أننا لم نُهمل هذين العاملين: أي موقع الشاعر ومدى حضوره في الحركة الشعرية المعاصرة في لبنان لدى توقفنا عند عدد من الشعراء الذين شكلوا علامات بارزة في تطور هذه الحركة أو وقفوا في طليعة الاتجاهات والحركات التجديدية التي عرفها الشعر اللبناني المعاصر.وحاولت المختارات، من جهة ثانية، ان تبين الروابط الضمنية والمباشرة بين هؤلاء الشعراء الذين تشكّلت ملامحهم في عدد من الصحف والمنتديات الثقافية والأدبية (سعيد عقل) أو على صفحات مجلة "شعر" (أدونيس، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، يوسف الخال، خليل حاوي، فؤاد رفقة) وبين الجيل الشعري الذي نشأ (وظهرت أعماله الأولى) في مطلع السبعينات.وفي الانتقال الى الحركة الشعرية الحديثة في لبنان نتوقف عند التأثيرات المتعددة التي استشرفتها القصيدة، فهنا، وربما اكثر مما نجد في الحركات الشعرية العربية والعالمية، لم يعد الشعر المُنجز هو المرجع الأول للقصيدة الحديثة. بل ان اهمية هذه الحركة الشعرية تكمن أولاً في ان التجارب التي جسدتها الصحافة الأدبية والشعرية (حوار، الآداب، شعر، مواقف..) فتحت نافذة على ما يحدث من حولها: الحركات التجديدية التي شهدها العالم في مجالات الفكر والأدب والفن في الستينات، تطور الحركة الثقافية والأدبية في مصر، بدايات الحركة الشعرية الناهضة في العراق (نازك الملائكة، بدر شاكر السيّاب، عبدالوهاب البياتي)، أشكال الصراع بين القوالب القديمة ونزعات التحديث في عصر النهضة، الانفتاح على الحركة الشعرية الأنكلوسكسونية في اميركا وإنكلترا. وإن تطور الحركة الشعرية لن يقتصر على الاتجاهات المتنوعة لقصيدة النثر باعتبارها قصيدة اللاّشكل، بل سيتجلى بعمق، في تجارب شعراء ما سمّي بالقصيدة التفعيلة، أو الشعر الحر.وتحاول هذه المختارات ان تبيّن الملامح الأساسية لتجارب الشعراء الشبان الذين ظهرت مجموعاتهم الأولى خلال العقدين الأخيرين منذ السنوات الأخيرة للحرب الأهلية حتى يومنا.وإذا كنا سنعتمد هنا مع الشعراء الشبان المعايير نفسها التي اعتُمدت في النصوص المختارة للشعراء من مراحل مختلفة منذ قبل منتصف القرن الماضي حتى ما عُرف بجيل السبعينات فإننا نعترف بأن النصوص المختارة هنا لا تقدّم وصفاً نهائياً لهذه التجارب. فهذه النصوص على رغم ما تحفلُ به من انقلابات على اللغة السائدة لدى عدد من شعراء السبعينات، ومن ملامح تجريبية منحتها حيوية خاصة فإن معظمها لا يزال قيد التشكّل.ولعل أبرز ما يميز تجارب هؤلاء الشعراء هو ان القصيدة لم تعد مشروعاً أو رؤية الى العالم أو سواها من التعبيرات الإيديولوجية التي شاعت في تجارب شعرية غربية وعربية في مطلع الستينات، بل هي تعبير عن لحظة راهنة تتشكل بارتباطها الوثيق والمباشر بالسلوك اليومي والأفكار الطارئة والتداعيات المباشرة للحوادث والمشاهد.من ناحية أخرى، لا تخضع هذه المختارات لاعتبارات أو معايير نقدية مسبقة. إلا اننا نقدم في الوقت نفسه مادة شعرية ستمكّن من قراءة الشاعر على نحو مستقل أو في سياق الحركة الشعرية باتجاهاتها المختلفة.شهدت الحركة الشعرية اللبنانية تطوراً عميقاً وشاملاً منذ بدايات عصر النهضة، لاسيما مع ظهور الاتجاهات الرمزية والرومانسية (جبران خليل جبران، خليل مطران، امين نخلة، الياس ابو شبكة، صلاح لبكي، فوزي المعلوف، وإيـــليا ابو مـــاضي).ومنذ بداية ستينات القرن الماضي اكتسبت الحوارات النقدية والنصية (تفاعل النصوص وتباينها) على صفحات "شعر" و"الآداب" أهمية كبيرة لما أرسته من مفاهيم حول تطور القصيدة ستتجلى في ترسيخ معالم القصيدة الحديثة او ما عرف بقصيدة التفعيلة وظهور قصيدة النثر.فحتى الخمسينات من القرن الماضي كانت مسألة الأوزان الخليلية تشكّل معياراً بديهياً للشعر. وقد تمكّن عدد من الشعراء ان يخرق هذا التقليد الذي كان يشكّل احد الثوابت البنيوية في القصيدة العربية، وذلك في ظل الانفتاح الذي شهدته الساحة الثقافية والأدبية في لبنان كامتداد لطبيعة النظام السائد في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.أما قصيدة النثر التي شكّل ظهورها على صفحات مجلة شعر نوعاً من المغامرة استفزّ عدداً من النقاد والكتّاب، فأخذت تتلمّس ملامحها بثبات وتؤكد حضورها خلال فترة قصيرة على صفحات مجلة مواقف.يبقى ان نشير الى ان التعريف بالشعراء في هذه المختارات يكاد يقتصر، إضافة الى السيرة الذاتية، على المكونات الثقافية والفنية التي تعبّر عنها تجربة الشاعر. إلا اننا حاولنا في الوقت نفسه ان نقدم هذه التجربة عبر القصائد المختارة التي حرصنا على ان تكون مصدراً أول يمكن من خلاله قراءة هذه التجربة والإحاطة بأبعادها. على رغم ذلك لا يمكن القول ان هذه المختارات (كما المختارات الشعرية الأخرى) تستطيع إيجاز المرحلة الشعرية التي تتناولها، وأنهـــم تقدم تجارب الشعراء بأبعادها الحـقيقية والشاملة. فجلّ ما تحاوله ان تتوقف عند اللحظات الأكثر تعبيراً عن هذه المرحلة وأن تلمّ بأبرز التجارب الشعرية التي شكّلت بأبعادها وإيقاعاتها المتنوعة نسيجاً فريداً في الثقافة العربية.