روايات تستوعب معاني وتجارب إنسانیة رائعة
May ١٠, ٢٠٠٨ ١٥:٠٠ UTC
في حقل الرواية، ومنذ بواكيرها السردية الأولى، نبتت الغواية، والولع، والافتتان بهذا الفن الحكائي النابع من المتخيل الإنساني وتجلياته السردية الراوية
في حقل الرواية، ومنذ بواكيرها السردية الأولى، نبتت الغواية، والولع، والافتتان بهذا الفن الحكائي النابع من المتخيل الإنساني وتجلياته السردية الراوية، فقد افتتن به كل من قرأه، واطلع على نصوصه قديما وحديثا. كما افتتن به كل من كتب في ساحته أعمالا إبداعية حقق من خلالها رؤيته للحياة، وشكل من متونه ومدوناته عالمه الروائي الخاص. ولا شك أن آداب العالم جميعها قد استلهمت من هذا الفن إبداعات واقعها، ومتخيل طبيعتها، وبيئاتها الخاصة، وجبلة شخصياتها، واقترنت طموحات هذا الفن بطموحات الإنسان وأحلامه منذ أن بدأت اليوتوبيا الإنسانية تراود هواجسه، وبدأت صراعاته مع الطبيعة، ومع الواقع الذى يعيشه، فمنذ سرفانتس ومدونته الروائية "دون كيخوته" التي مر على صدورها أكثر من أربعمائة عام وحتى الآن لا تزال الرواية هى النبع الذي يستقى منه الإنسان جاذبية الحياة ومتناقضاتها، فالرواية والروائيون بشخصياتهم وحبكاتهم ومواقفهم وقضاياهم الخاصة والعامة هي الحياة نفسها التي تعيش في أعماقنا لا تختلف عما نشاهده فيها إن لم يكن الواقع في بعض الأحيان أغرب من الخيال كما يقال. ولا شك أيضا أن الأدب العربي في مراحله المختلفة قد ألقى بظلاله وملامحه السردية على الساحة الإبداعية. وعلى الرغم من وجود بعض إرهاصات وملامح تراثية قديمة وجدت في متن حكائية متناثرة في طيات التراث العربي الذي وصل إلينا، وكانت بصماته واضحة على النثر العربي في مدوناته التراثية القديمة المهتمة بهذا المجال مثل كتابات الجاحظ، وكتاب الأغانى لأبي الفرج الأصفهاني، وبدء ظهور المقامات على يد الحريري، وبديع الزمان الهمزاني. وقد عجلت هذه الإرهاصات بغواية هذا السرد الوافد إلينا بعد ذلك، واحتضنته وبدأت في النظر إلى معطياته الفاتنة المشّوقة، الأمر الذي حدا بالكثير من كتابنا المعاصرين الذين أوفدوا في بعثات إلى أوروبا للتعلم والانفتاح على الثقافة الغربية إلى تلقي وقراءة العديد من النصوص الروائية الأوروبية في لغتها الأصلية، والولع والافتتان بها وبما حوته من نصوص، وأبحاث، ودراسات جعلتهم ينبهرون بهذه العوالم الجديدة في هذا المجال الحكائي الجديد. ومن هنا نشأت ضرورة نقل هذه الأشكال السردية إلى أدبنا العربي الحديث بنفس الأشكال والأطر الفنية المعمول بها في الآداب الأوروبية، وبنفس القضايا والأسئلة والإشكاليات التي يخاطبها، مع الاحتفاظ بالطابع والمناخ والقيم العربية الأصيلة فظهرت العديد من النصوص الروائية في الأدب العربي الحديث، وبدأت حركة الغواية والافتتان بفن الرواية تجد صداها في عالمنا العربى، وتتحرك آفاقه نحو إيجاد نص روائي عربي يثري الساحة بالنصوص الروائية التي أغوت كثيرا من الكتّاب وفتنتّهم. وربما كان هذا الكم الكبير من السرديات العربية الموجودة الآن على الساحة العربية ترفد هذا الجنس الأدبي بمعطياته وتطوره المذهل وتدفع به دائما إلى تخوم التجريب والتنامي سواء على مستوى الشكل والنسق السردي المعاصر، أو على مستوى القضايا والإشكاليات المستمدة من الواقعي، والمتخيّل، ورعشة الحياة اليومية الدائمة، الحاضرة بإلحاح شديد في هذه النصوص الروائية المعاصرة. من هنا كانت الغواية والفتنة لفن الرواية تطول كل من اقترب من ساحته الرحبة الواسعة. ولا شك أن الرواية تحمل على عاتقها مسؤولية البحث عن جوانب عديدة من الحقائق والقيم والمعاني تتوارى فيما وراء آكام وغيوم الواقع الإنساني للعالم لتعيد صياغته لنا من جديد، وتضعه أمامنا في نسق فني خاص، وصياغة سردية تحمل آلية حكائية تعتمد على جماليات لها وظيفة الإشباع والإبهار والإمتاع. وإذا كانت الرواية تحمل داخلها خطوط البطل الإشكالي كما أسماه "لوكاتش" فإن إعادة صياغة إشكالية هذا البطل داخل النسق السردي هو غاية ما ترمي إليه نظرية الرواية باعتباره هو المشخّص الأوحد لواقع الحياة داخل نسيج النص السردي، وهو الفاعل لمواقف الزمن والمحرك لمشهد الحياة اليومي. لقد وعاه سرفانتيس في دون كيخوته، وجسده كل من ديكنز وستندال وديستويفسكى وماركيز ونجيب محفوظ في روائعهم، وازدانت الحياة بمنابع الحكي والقص والروي، وظهرت أجيال في كل زمان ومكان مفتونة بهذا الفن السردي المتناغم مع واقع الحياة ومتخيّلها. والوعي الجمالي في النص الروائي ليس هو الواقع المباشر المستقل، بل هو الوعي الذي يتم التعبير عنه ضمنيا في سلوكيات الأفراد وتوجهاتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وفي الشكل الفني وعناصره المستوحاه من الواقع، الزمان والمكان، والرؤى، والمعادل الموضوعي، وغيرها من عناصر التناول السردي. والرواية تقرير كامل عن التجربة الإنسانية بما تحمله داخلها من إشكاليات وقضايا وتوجهات تبحث عمن يوهج خطوطها ويضئ معالمها ويحدد ملامحها الفنية الموغلة في التخييل في بعض الأحيان، كما أنها تثير قضايا في كافة التوجهات الإنسانية والفنية واللغوية، ذلك أن الأدب "عالم مغاير" كما يقول "بومجارتن"، إلا أن الرواية حالة خاصة ضمن هذا العالم، بذلك لا تنقل الرواية عالما من الحياة، بل عالما شبيها بهذه الحياة في أحداثه ومجرياته، وقضايا الرواية وإشكالياتها تتجلى في نصوصها الواقعية والتاريخية التي تتخذ من الجوانب الإنسانية مجالا لإبداعاتها. إن الروائي الماهر هو الذي يساعدنا على معرفة هذا الجزء من حياتنا والتعبير عنه. ذلك الجزء الذى يبدو للوهلة الأولى، مكانا لا يمكن الاطلاع عليه. ومع ذلك فإن كشف الأسرار في الرواية (دوار الرواية هذا) لا يتجه كل الاتجاه نحو طبيعة المشاعر والعواطف، ولو كانت غامضة أو فاضحة، بل هو يتجه إلى جوهرها حيث متعة التلقي هي الهدف الأسمى من هذا الدوار الذي يصيبنا حين نتلقى نصا روائيا له خصوصية المتعة والدهشة والإبهار. إن علاقة الرواية بالحقيقة التي تحيط بنا لا يمكن أن تتحول إلا إلى مجريات داخل الواقع ذاته. حيث البحث داخله هو غاية ما ترمي إليه، وهو ما تصفه لنا برؤية سردية تتعمق عواطفنا ووجدانا وعقولنا حيث يمثل السرد بالنسبة لنا جزءا منعزلا تماما يمكن دراسته عن كثب. إن الفرق بين حوادث الرواية وحوادث الحياة ليس في أننا نستطيع التثبت من صحة هذه بينما لا نستطيع الوصل إلى تلك إلا من خلال النص الذي يظهرها فحسب، بل هى إلى ذلك (أى حوادث الرواية) ولنستعمل تعبيرا معروفا أكثر تشويقا من الحوادث الحقيقية. أما سبب بروز هذه القصص المختلفة فيعود إلى أنها تنطبق على حاجة وتقوم بعمل، والأشخاص الوهميون يملأون فراغا في الحقيقة ويوضحونها لنا. وليس الخلق وحده حلما من أحلام اليقظة، بل كذلك هي قراءة الرواية. فالرواية إذن تتأثر بالتحليل النفسي كما تتأثر بواجهات المجتمع الواقعية، وليست واقعية الرواية التي تتمثل كجزء خادع من حياتنا اليومية سوى مظهر خاص منها، مما يسمح لنا بعزل الرواية كنوع أدبي مستقل لنشاهد من خلاله أنفسنا في تشخيص ورؤى قد نعجز عن رؤيتها على مستوى الواقع الآني، من هنا كانت غواية الرواية والافتتان بها عنصرا يطول المتلقي فى كل مكان وزمان، يمنحه المتعة والرؤية والتجربة في أجلّ معانيها، وأروع مجالاتها. وينبغى هنا، ونحن نتحدث عن الرواية ومكانها الممتاز باعتبارها الشكل الفني لهذا العصر، وديوان الأدب الجديد أن نفكر أيضا في دور النقد بوجه عام، أهميته بالنسبة للطاقة الإبداعية المصاحبة لنظرية الرواية في العصر الحاضر. إن الميزة الرئيسية للرواية هي طبيعتها الفنية في الاستئثار بالذهن والأبهار الجمالي لنسقها الخاص وصياغتها الخاصة التي تفتن العقل والقلب معا. فالروائي الحديث بفضوله الاجتماعي والنفسي وتوتر أعصابه وفطنته وحساسيته الممتزجتين فيه امتزاجا عضويا، ومواهبه في النقد والرؤى المعتمدة على كل فنون العصر مثل الفنون التشكيلية والموسيقى والصورة كل ذلك يجعله أداة شديدة الفردية، ومهيأة لاستقبال وتوصيل أدق الاحاسسيس وأكبر الأحداث. وفي هذه المجموعة من الدراسات التي تمثل نموذجا خاصا في غواية هذا الفن، نستطيع ونحن نتناول بعض النصوص أن نجد واجهة متغيرة تجابهنا بخطوط عريضة عن فنية الرواية وسرديتها المعهودة عند بعض الكتّاب الذين افتتنوا بهذا الفن الرائع، بحيث أصبح فن الرواية هو رافدهم الأساسي، وأصبح السرد الروائي هو جل همهم، لا يستطيعون الابتعاد عنه بأي حال من الأحوال، فقد عاشه كل من نجيب محفوظ وافتتن به منذ يفاعته، وصاحبه بعد ذلك قرابة عمره بالكامل، كما نجد أن افتتانه بهذا الفن قد أعاده مرة أخرى بعد قرابة أربعين عاما إلى فرعونياته الأولى في رواية "العائش في الحقيقة"، ومدونة "أمام العرش"، كما تحّول الروائي الكبير عبدالرحمن منيف من أستاذ في إقتصاديات البترول بفعل هذه الغواية إلى هذا الفن ليصبح من الروائيين الذين تركوا بصمة قوية على الرواية العربية المعاصرة. كذلك إدوار الخراط كان الفن الروائي هو غوايته الأصيلة طوال عمر مديد بحيث أصبحت الرواية علامة مهمة في حياته لا يستطيع مفارقتها أبدا بل إنه يخرج منها ليدخل فيها مرة أخرى، ويخرج لنا بين الحين والحين روائعه الروائية من جعبته السردية المليئة بافتتان هذا الفن الجميل المعبر. كذلك الروائي محمد جبريل وعالمه الروائي الخاص والمتمثل في بعض تيمات التاريخ والمكان السكندري الأثير لديه، والكاتب التونسي صلاح الدين بوجاه ومدوناته الروائية المتشيئة مع واقع الحياة، ومع تراث أثير نبش داخله، وافتتن بمعطياته فكانت هذه الرؤية السردية الرائعة. والكاتب السعودي يوسف المحيميد حيث أسئلة الرواية وجدلية العلاقة بين صيغة الذات وجوهر الواقع، واستلابه على مستوى الفرد والمجتمع. وعالم البحر في تجربة عبدالله خليفة الروائية في البحرين وما تمثله البيئة في تعاملها مع الشخصيات من خلال الأنثربولوجى، وما تفعله سيكولوجية المكان داخل النص الروائي في حالة مثل حالات رواية "لا أحد ينام فى الإسكندرية" لإبراهيم عبدالمجيد، وهذا التكنيك الخاص المستخدم في هذا النص من ملحمية وأسطورة وواقعي في زمن مثل زمن الحرب العالمية الثانية. إنها فتنة الرواية وغوايتها هي التي أبرزت كل هذه المشاهد القابعة وسط ركام الحياة وأتونها، وسطوة المكان والواقع المهمش في الرواية، وسوسيولوجيا الحياة في رواية "إسكندرية 67" والتي جسد فيها الروائي السكندري مصطفى نصر، وقائع مرحلة من مراحل الحرب في مدينة الإسكندرية، وماذا فعلت المدينة وأهلها حيال هذه الحرب. إن الرواية تسمح بأن تدخل في كيانها جميع أنواع الأجناس التعبيرية، كما أنها بإيقاعها وآليتها تستطيع أن تصنع المعجزات في تقاطعات وتداخلات مختلفة تصنع من خلالها الكثير والكثير في مجالها الرحب المتسع، لذا كانت فتنة الرواية وغوايتها مستمرة إلى ما شاء الله، وبين الحين والحين يتجاذب هذا الفن كتّاب جدد يفتنون به ويسجلون في مدونته نصوصا سردية جديدة تدفع بدماء جديدة في شرايينه الممتعة، وتعطي للمتلقي نصوصا حكائية تثير الدهشة والإبهار والافتتان والغواية.