رواية تکشف عن خبايا حياة الكاتب الروسي دستويفسكي
Jun ٠٧, ٢٠٠٨ ١٩:٣٠ UTC
كان الكاتب الروسى ليونيد تسيبكين طبيبا أيضا. وكان يعارض فى صمت النظام الشيوعى فى ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي
كان الكاتب الروسى ليونيد تسيبكين طبيبا أيضا. وكان يعارض فى صمت النظام الشيوعى فى ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي. وقد حاول أكثر من مرة الخروج إلى المنفى مثلما فعل الكثير من الكتاب الروس فى ذلك الزمن الرمادى الكئيب، غير أن جميع محاولاته باءت بالفشل. وفى ما بين 1977 و1980، كتب تسيبكين رواية تحت عنوان: "صيف فى بادن بادن" سجل فيها بطريقة بديعة تفاصيل الرحلة الأخيرة التى قام بها فيدور دستويفسكى إلى أوروبا بصحبة زوجته أنّا. وكان بإمكان هذه الرواية الرائعة أن تظل طى النسيان لو لم يسارع أحدهم بنشرها فى مجلة "نوفاى غازيتا" الأسبوعية التى كانت تصدر فى نيويورك والتى كانت تهتم بأدب المغتربين الروس الفارين من النظام الشيوعى والمنشقين عنه. حدث ذلك قبل أسبوع واحد من وفاة مؤلفها بالسكتة القلبية وهو فى السادسة والخمسين من عمره. غير أن الرواية المذكورة أهملت ولم تلق اهتماما يذكر. وقبل بضعة أعوام عثرت عليها الكاتبة الأمريكية المرموقة سوزان سونتاغ فى مكتبة تبيع الكتب القديمة فى لندن. ولأنها فتنت بها فإنها سارعت بعرضها على الناشرين لتنال فى الحين شهرة عالمية واسعة. وبشأن هذه الرواية، كتب أحد النقاد يقول: "إن فرادة هذه الرواية تتمثل فى ذلك التأرجح الآسر بين حياة الترحل التى عاشها دستويفسكى برفقة زوجته أنا عام 1867، وسيرة كاتبها نفسه، ليونيد تسيبكين الذى لا يقدم نفسه البتة وهو يتجول فى روسيا الشيوعية. والماضى المحموم يواصل اضاءة الخرائب الثقافية للحاضر". إن رحلة تسيبكين تأخذه إلى لينينغراد التى استعادت الآن اسمها القديم أى سانت بطرسبورغ. غير أنه فى الآن نفسه يخترق روح دستويفسكى وزوجته أنا". وكان دستويفسكى قد تعرّف على أنّا التى كانت تنتمى إلى عائلة مرفهة نسبيا فى خريف 1866 وذلك عندما جاءته إلى مكتبه عارضة عليه العمل كسكرتيرة. وبالرغم من فارق السن الهائل بينهما فإنها قبلت الزواج منه. وكانت بداية حياتهما الزوجية جد صعبة. فقد كان صاحب "الجريمة والعقاب" يعانى من متاعب مادية جسيمة. وكان الدائنون يطاردونه، وهروبا من هذا الواقع المر قرر دستويفسكى السفر إلى أوروبا بصحبة زوجته الجديدة بهدف استعادة حيويته المفقودة بسبب تراكم المشاكل المادية والنفسية. وقد دفعت والدة أنا تكاليف هذه الرحلة التى بدأت ذات يوم من أيام ابريل/ نيسان 1867 فى القطار الذى غادر سان بطرسبورغ صباحا. وفى اليوم التالى وصل دستويفسكى وأنا إلى فيلنا. وفى مدارج الفندق يلتقيان يهودا يعرضون عليهما بعض الخدمات. فى المساء، وهما يتجولان فى شوارع المدينة الضيقة، يشاهدان نفس هؤلاء اليهود مع نسائهم. بعد يومين يصلان إلى برلين ومنها يسافران إلى درسدن. وهناك يشرعان فى البحث عن سكن غير أنهما اصطدما بصعوبات عدة ذلك أن الألمان لا يحبون الروس، ويعاملونهم بجفاء وقسوة. ومتضايقا من تصرفاتهم الفظة تلك وصفهم دستويفسكى بـ"الأغبياء". وفى النهاية سكن الزوجان عند السيدة زيمارمان وهى سويسرية جافة وفارعة الطول. بعدها شرعا فى اكتشاف المدينة زائرين متحفها الشهير. وقد أعجب دستويفسكى كثيرا بلوحة لمريم العذراء رسمها الفنان الايطالى الكبير رافائيل. وقبل وفاته بقليل أهديت له نسخة من اللوحة المذكورة لا تزال إلى حد هذه الساعة معلقة فوق الكنبة الجلدية التى فارق عليها الحياة. وكان دستويفسكى وأنا يتناولان طعام الغداء والعشاء فى مطاعم متواضعة، ويوميا تقريبا كانا يتخاصمان مع النادلين بسبب سوء المعاملة التى كانا يلاقيانها من جانبهم. وكان صاحب "الأخوة كارامازوف" يقول عنهم بأنهم يجسدون الجوانب الأشد وضاعة فى النفس البشرية. وبالرغم من الخصومات المتواصلة بينها وبين زوجها "الحاد الطبع والسريع الغضب" حسب تعبيرها فإن أنا حافظت على صبرها، وعلى توازنها النفسي. عقب ثلاثة أسابيع من الإقامة فى درسدن بدأ دستويفسكى الذى كان مدمنا على القمار يفكر فى الذهاب إلى هامبورغ آملا أن يسعفه الحظ هناك فيتخلص نهائيا من همومه المادية خصوصا بعد أن أبلغه أحد أصدقائه المخلصين بأن عودته إلى روسيا تعنى دخوله السجن فور وصوله إلى هناك بسبب كثرة شكاوى الدائنين. فى أواسط مايو/ آيار من السنة المذكورة استقل صاحب "المقامر" القطار إلى هامبورغ. ومن هناك كتب إلى زوجته التى ودعته باكية: "لقد كنت حزينا جدا أمس. فلقد كنت أرغب فى أن أحتضنك. ولكن بالرغم من أن هذه الرغبة استبدت بى عقب فراقك، فإنى سأبقى هنا.. أنا ارتكب حماقة نعم حماقة، ودناءة بالخصوص.. لكن من المحتمل أن يكون لى حظ ضئيل..". وفى الرسالة التالية هو يعبر لها عن مخاوفه من عدم استجابة الحظ ويكتب: "ولكن كيف سيكون ألمى لو أننى أخسر ولا أحصل على شيء، وأقبل بلا أية نتيجة كل هذا الكم الهائل من الدناءة ثم أمضى أشد بؤسا مما كنت". وعلى مدى ستة أيام لم يغادر دستويفسكى قاعة القمار فى هامبورغ لكن دون أن يربح شيئا. وفى النهاية كان عليه أن يرهن ساعته اليدوية. وتحت تأثير احساسه بالذنب كان يكتب يوميا رسالة إلى أنّا يؤكد فيها حبه لها، وتفكيره الدائم فيها، وفى واحدة منها كتب لها يقول متوسلا: "أنّا العزيزة، عدينى بأنك لن تكشفى عن محتوى رسائلى لأحد. فأنا لا أريد أن يتحول وضعى الفظيع هذا إلى طرفة تضحك الناس عليّ". وفى أخرى كتب لها يقول: "لو كان الأمر يتعلق بى أنا فقط لهان عليّ ذلك ولضحكت هازئا، ولهززت كتفى ساخرا، بل ولما فكرت فيه أصلا.. ولكن هناك شيء يرعبني.. شيء واحد: ماذا ستقولين عني، وكيف ستفكرين بي؟ ما قيمة الحب إن كان دون احترام؟ إن علاقتنا بدأت تتزعزع.. آه يا صديقتي.. لا تحكمى على حكما نهائيا!". وفى كل رسالة كان دستويفسكى يطلب من زوجته أن ترسل له ثمن تذكرة العودة إلى درسدن متوسلا إليها ألا تسعى إلى القدوم إلى هامبورغ". ومستفيدا من تجربته المريرة تلك سوف يتمكن دستويفسكى فى ما بعد من اكمال رواية "المقامر" التى كان قد بدأ يخطط لها قبل رحلته الأخيرة إلى أوروبا. فى نهاية شهر مايو/ آيار بلّغ دستويفسكى بأن القيصر الكسندر الثانى تعرض لعملية اغتيال من تدبير بولونى يدعى انطون بيريزوفسكى وذلك خلال افتتاح المعرض العالمي. ومتأثرا بهذا الخبر أصيب بنوبة صرع حادة ضاعفت من حقده على البولونيين وعلى الراديكاليين الروس الذين يتآمرون على النظام القيصري. وفى ذلك كتبت زوجته أنّا فى يومياتها تقول: "لقد تأثر فيدور كثيرا بمحاولة الاغتيال التى تعرض لها القيصر. فهو يحبه ويكّن له فائق التقدير والاحترام". وفى 21 حزيران/ يونيو، انطلق دستويفسكى بصحبة زوجته إلى بادن بادن الواقعة جنوب غربى ألمانيا والمشهورة بفنادقها الضخمة وحماماتها وهناك أمضى خمسة أسابيع أدى خلالها صاحب "الأبله" زيارات عدة إلى تورغينييف الذى كان يقيم هناك بين وقت وآخر. وخلال احدى هذه الزيارات نشبت بين الأديبين الكبيرين معركة حادة سوف يحتفظ التاريخ الأدبى بوقائعها، وسوف يبرز صداها فى عملين هامين من أعمال دستويفسكى هما: "الأبله" و"المسوسون". حال وصوله إلى بادن بادن، شرع دستويفسكى يتردد على فنادق القمار. وكان يحصل أحيانا على مبالغ لا بأس بها تخول له تخفيف الضغط المادى الذى كان يعانى منه فى ذلك الوقت. غير أن ذلك لم يمنع من تفاقم المتاعب المادية. وراسمة صورة قاتمة لهذا الوضع، كتبت أنّا تقول فى مذكراتها: "كان "تقصد دستويفسكي" متهيجا جدا. وقد توسل إلى بألا اعتبره وغدا يسلب آخر فلس منى فقط لكى يشبع رغبته فى القمار. وأنا أناشده بأن يظل هادئا وأقول له بأن بإمكانه أن يحصل على المبلغ الذى يريد، وبأنى لن أفكر فى ذلك أبدا. وعندئذ انصرف وانخرطت أنا فى البكاء بمرارة ذلك أن الآلام والأوجاع التى سببها لى كل ذلك حطمتني". وكانت نوبات الصرع تنتاب دستويفسكى بين وقت وآخر. وواصفة حالته، كتبت أنّا تقول فى نفس يومياتها "مسحت العرق عن جبينه والزبد عن شفتيه وأعتقد أن النوبة التى لم تدم سوى قليل من الوقت، لم تكن خطيرة. فعيناه لم تخرجا من رأسه رغم أن جسده كان يهتز بقوة طوال الوقت الذى استغرقته النوبة، وعندما استعاد شيئا فشيئا وعيه قبّل يدى واحتضننى ضاغطا قلبه على صدرى قائلا لى بأنه يحبنى مثل مجنون أو أنه بكل بساطة يعبدني. وعقب النوبات يجتاحه الخوف من الموت. ويقول بأنه يخشى أن تقتله ذات يوم لذا لابد من أن أنتبه إلى ذلك. ولكى أطمئنه كنت أقول له بأنى سوف ابقى ممددة على الكنبة التى بجانب سريره". غير أن أنّا الحريصة طول الوقت على الحفاظ على هدوئها وعلى رصانتها كانت تنهار نفسيا خصوصا لما يطلب منها دستويفسكى أن تبيع حليها لكى يشفى غليله من القمار الذى سوف يصفه فى ما بعد بأنه كان "مرضا لا شفاء منه". وعندما باع قرطها، كتبت تقول: "لم أتمكن من السيطرة على نفسى وبكيت بمرارة. لم تكن دموعى دموعا عادية، لكنها كانت شهقات حادة آلت صدرى ولم تخفف من ألمى البتة. ثم أخذت أحسد كل الناس الآخرين على الأرض الذين يبدون جميعا سعداء فى حين كنا نحن الاثنين– أو هكذا بدا لى على الأقل– الوحيدين اللذين يعيشان شقاء بلا حدود". أواسط الصيف وصلت أنا حوالة بريدية من والدتها مكنتها من دفع الديون العالقة بزوجها، وأيضا من شراء تذكرتين إلى جينيف. غير أن دستويفسكى هرع فى يوم السفر ذاته إلى فندق للقمار وظل يلعب إلى أن خسر كل شيء من جديد. ولم تتمكن أنّا من اقناعه بالسفر إلى جينيف فى اليوم التالى إلا بصعوبة كبيرة. وعندما غادرا الفندق الذى كان يقيمان فيه فى بادن بادن، لم يتقدم الخدم منهما لتوديعهما.وهكذا انطلقا إلى سويسرا مثقلين بالآلام والديون.