ترجمة إحدی روائع الأدب الإسباني إلى العربية
Jul ٠١, ٢٠٠٨ ١٥:٠٠ UTC
بدعم من وزارة الثقافة الإسبانية، تمت ترجمة رواية "حياة لاثاريو دى تورميس وحظوظه ومحنه" إلى اللغة العربية
بدعم من وزارة الثقافة الإسبانية، تمت ترجمة رواية "حياة لاثاريو دى تورميس وحظوظه ومحنه" إلى اللغة العربية، والتي تمثل حجر الزاوية فى الأدب الإسبانى لأنها ظهرت إلى الوجود سنة 1554م، لمؤلف مجهول، فى وقت كان يبحث فيه هذا الأدب عن الاستقلالية، ويتطلع إلى إثبات ذاته ووجوده، والتخلص من التبعية للأدب العربى الذى كرس وجوده فى الأندلس لأكثر من ثمانية قرون. ترجم هذا النص السردى النفيس إلى العربية إدريس الجبورى ومحمد المساري، وقدمه الدكتور جميل الحمداوى، ويعد إنجازا مهما فى إطار التواصل الثقافى والحضارى بين الأدبين العربى والإسباني، وتقريبا للقارئ العربى من عمل فنى يصنف ضمن روائع الأدب الإسباني، وفى الوقت نفسه يتقاطع مع بعض الأنواع الأدبية العربية فى الشكل والمضمون. وبالرغم من قدمه الذى يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، فإنه ما زال يحتفظ ببريقه ولمعانه، ويستهوى الباحثين المهتمين بالدراسات المقارنة فى مجال الأدب، يقول أحد الدارسين الإسبان عن هذه الرواية: "لاسريو دى تورميس يمكن أن نقول عنها أنها فى قمة الوضوح، ويمكن أن نقول كذلك هى الأكثر لمعانا كالرواية الجديدة، أينما يحل بصرك يتراءى أمامك إبداع سردى بصيغة جديدة، كُتِب ليكون رفيعا" . وأسست الرواية لميلاد جنس روائى جديد يسمى الرواية البيكاريسكية، إذ توالت بعد ذلك الأعمال الأدبية من هذا الصنف فى إسبانيا وبقية الدول الأوربية وأمريكا اللاتينية.ومن ناحية التعريف فمن أقدم الكلمات التى لها علاقة بهذا الاسم، كلمة pica اللاتينية التى تعنى الرمح، ومنها جاء الفعل picar فى الإسبانية الذى يعني: وخز، لسع، لدغ، نقر، ثقب، وغيرها من المعانى التى تدل على التصرف العنيف الذى يحدث الألم كما تفعل الأفاعى أو العقارب أو النحل..عندما تغرز الطرف الذى تخرجه فى من ترغب إيذاءه. وليس غريبا أن تكون تصرفات البيكارو وهو بطل الرواية البيكاريسكسة ضمن هذه المعانى الدالة على الإيذاء وإلحاق الضرر، فهو صعلوك وشحاذ وغشاش ومخادع يجنح إلى المكر والحيلة والدهاء فى سلوكاته وتصرفاته التى تؤذى الآخرين، ومنها كذلك كلمة picardía التى تعنى مما تعنيه الشر والكلام الفاحش وقلة الحياء. بيد أن اسم البيكارو مر بعدة مراحل، واكتسب عدة معان، ففى عهد الرومان كان يطلق على السجناء الذين يباعون كالعبيد، ثم أصبح يعنى الشحاذ أو المتسول، أو السارق، أو لابس الأسمال ورث الثياب، كما اقترن بكلمة البائس. ورغم كثرة هذه الألقاب التى تصنفه من الأشرار والسيئين، فإن البيكارو فى الحقيقة شخصية طيبة تمردت على الواقع، فنهجت الأساليب غير المشروعة لاسترجاع ما اعتبره حقا مشروعا، يقول عنه أحدهم: "هو شخصية طيبة فى قرارة نفسه، له قلب طيب، بدون تجربة، لكنه فى الواقع تحيط به التصرفات غير اللائقة من طرف الآخرين، مما جعله كثير الشك والريبة من الغشاشين والمخادعين" ، وهذا التصرف نفسه نجده فى أدب الشطارين والعيارين عند العرب، إذ حدد الدكتور محمد رجب النجار الملامح العامة للشطار العربى فى ثلاث : ـ الانتماء إلى دائرة اجتماعية معينة منبوذة اجتماعيا من الفئات الاجتماعية العليا، فهم جماعات تعيش على هامش المجتمع. ـ البطولة خارج القانون، فهم فى حالة صراع مع الآخر الذى لفظهم، فتمردوا على المجتمع وحاولوا الثورة عليه، لينالوا بأسلوب غير شرعى ما يعتقدون أنه حق شرعى لهم، وبذلك فهم حسب الحكام والسلاطين وولاة الأمور جماعات مشاغبة خارجة عن القانون والشرعية. ـ تحظى هذه الفئة بإعجاب العامة الذين يتعاطفون معهم ويشيدون بأفعالهم. ومن جهة التأثير والتأثر، فقد حاول بعض الدارسين إثبات تأثر الرواية البيكاريسكية بالأدب العربى خاصة ما يتعلق بفن المقامة الذى ظهر بالمشرق قبل أن ينتقل إلى الأندلس، وأدب الشطارين والعيارين الذى ازدهر فى حواضر بغداد ودمشق والقاهرة، وشعر الصعاليك المجسد لرؤية الفقراء فى توزيع الثروات، والنصوص السردية التى بطلها جحا العربى التى تناقلتها الألسنة من جيل لجيل منذ مئات السنين، كما هو الشأن بالنسبة للدكتور على الراعى عندما يقارن بين المقامة والرواية البيكاريسكية بقوله: "بين محتال المقامات، والبيكارو..نقط التقاء غير قليلة. كلاهما فقير، مضيق عليه فى الرزق، وكلاهما جواب آفاق، يستخدم ذكاءه البين فى طلب الرزق، لا يتردد فى هذا السبيل أن يغش ويخدع ويسأل الناس، ويسرقهم أحيانا" . فى حين هناك من ينكر هذا التأثر كالدكتور إسماعيل العثمانى عندما يقول: "علاقة أدب الشطار الإسبانى بالأدب العربى موضوع عالجه العديد من النقاد والدارسين. والجدير بالذكر فى هذا السياق أن أغلب هؤلاء يقولون بتأثير المقامة فى نشأة الأدب الشطارى الإسباني...حقا، إن هناك أوجه شبه بين المقامة العربية والقصص الشطارية الإسبانية، خصوصا فيما يتعلق بالبطل والفضاء وثيمات الجوع والطريق والاحتيال، ولكن ليس ثمة أدلة واضحة وقاطعة تدل على تأثر الأدب الإسبانى بالأدب العربى فى هذا الحقل" . وما دام المغرب كان على الدوام قريبا من إسبانيا تربطه بها علاقات التأثير والتأثر، فليس بدعا أن يتأثر الروائيون المغاربة بالرواية البيكاريسكية، إذ أن عددا من الروائيين المغاربة نسجوا رواياتهم على منوالها، واستفادوا من تقنياتها وقالبها الفنى ، فجاءت ذات طابع بيكاريسكي، كمحمد شكرى فى "الخبز الحافي" و "الشطار، ومحمد الهرادى في"أحلام بقرة"، والعربى باطما فى كل من "الرحيل" و "الألم"، و محمد زفزاف فى "المرأة والوردة"، وميمون الحسنى فى "جذور الضباب"، وإسماعيل العثمانى فى رواية "غورغو". يقول الدكتور جميل حمداوى عن رواية "الشطار" لمحمد شكرى :"ويمكن استخلاص مجموعة من التيمات التى تجعل من هذه الرواية شطارية ما دامت ترصد فئة المهمشين الذين يعيشون على هامش المجتمع. وهذه التيمات هي المخدرات، والصعلكة، والمغامرات العبثية والمجونية والفقر، والاحتيال، وتملك المعرفة الأدبية والفنية، ومصاحبة الشطار، والتمرد على الأخلاق والقوانين والأعراف الاجتماعية" . وإذا عدنا إلى هذه الرواية، وبالضبط إلى متنها الحكائي، فهى :" فى الحقيقة سيرة ذاتية لدلال قشتالي" ، اسمه "لاثاريو دى تورميس"، ولد فى بلدة طخاريس"، كان أبوه يعمل طحانا، واتهم باختلاس وسرقة زبائن الطاحونة، فتم القبض عليه ونفى من بلدته بسبب هذه الواقعة، وفى ذلك الوقت كانوا يجهزون جيشا لمحاربة المسلمين فانضم إليه، وقضى نحبه فى الحرب. أما الأم- الأرملة فقد لجأت إلى العمل لتوفير قوت يومها، وشاءت الأقدار أن تتعرف على رجل أسمر اسمه زيد بدأ يتردد على بيتها، وانتهى الأمر بها أن أعطت ل"لاثريو" أخا أسودا، لكن التحريات ستكشف أن العبد كان يسرق وينفق بذلك على أمه وأخيه الصغير، فحكمت عليه العدالة بالجلد والكى بلحم الخنزير، أما الأم فحكموا عليها بمائة جلدة. وفى هذه الفترة شعر "لاثريو" أنه طفل يافع قادر عن الاستغناء على الأم، فبدأ رحلة المغامرة مع رجل أعمى تولى خدمته وقيادته، يقول عن هذا الأعمى: "ولنعود إلى صاحبنا الأعمى وشؤونه أقول لك يا سيدي، أنه منذ خلق الله العالم، فإنه لم يخلق مثله مكرا ودهاء" ، فقد كان يتصنع السمت، ويظهر التقوى والتواضع، ويحفظ أدعية لكل المناسبات خاصة ما يتعلق بالنساء كالعواقر والنفساء والحبليات وغير الموفقات فى الزواج، وفى الطب كان يدعى معرفة ضعف ما يعرفه "جالينوس"، وكان يكسب من كل هذا أموالا ومكاسب كثيرة. لكنه فى الوقت نفسه كان بخيلا شحيحا مقترا قتل "لاثريو" جوعا، ومارس فى حقه شتى صنوف التعذيب من ضرب وشتم، وألوانا من السخرية والاستهزاء.. لذلك قرر الانتقام منه بحيل شيطانية؛ من ذلك أن الأموال التى كان يمدها الناس للأعمى لا يصل منها إليه إلا النصف والباقى يأخذه "لاثريو" مستغلا عماه. كما كان يقوده فى أسوء الطرق عمدا ورغبة فى إيذائه، فوق الأحجار وبين الأوحال. وانتهت علاقته بهذا الأعمى بهذه المكيدة التى ستنهى حياته، إذ قاده حيث يوجد عمود من الحجر منصوب فيه نتوءات حادة خلفه جدول ماء، ولما صار فى مواجهة هذا العمود أمره بالقفز فاصطدم رأسه بالعمود فتشقق بقوة الارتطام، وسقط صريعا على الأرض، بينما "لاثريو" ركض هاربا وغادر المدينة. بعد ذلك سيحل بقرية تدعى "مكيدا"، وهنا سيوقده حظه العاثر للالتقاء بقسيس عرض عليه خدمته فرضي، إلا أن هذا الراهب كان أشد بخلا وقساوة من سابقه الأعمى، وكاد أن يسوقه إلى حافة القبر، يقول "لاثريو" محاولا المقارنة بينهما: "لقد هربت من الرعد لأسقط فى البرق، لأن سيدى الأعمى وإن كان هو البخل بعينه كما رويت من قبل، فإنه بالنسبة إلى هذا القسيس يعد الإسكندر الأكبر لا أقول أكثر من هذا، اللهم إلا أن كل شح العالم كان حبيسا فى هذا الرجل ولست أدرى أكان ذلك منه عن طبع، أم اكتسبه مع ثياب الكهنوت" . ومن الفرص التى كانت تتاح لـ"لاثريو" للأكل حتى الامتلاء، حضور الجنائز برفقة القسيس للمشاركة فى الصلوات، وكم كان يتمنى ويطلب الله أن يقبض كل يوم روح إنسان، بل حتى المرضى كان يتمنى أن يزيلهم الله من الدنيا ليشبع فى أيام مراسم الدفن، وكان يشيعهم بالأفراح والتبريكات، لأنه كان يظن أن الله يقتلهم ليهب له الحياة، وعندما لا يموت أحد فإنه يعود إلى الجوع من جديد بعد وفرة الطعام. وكعادته مع الذين يظلمونه، عزم مرة أخرى على الانتقام من القسيس، إذ كان يقرض الخبز الذى وضعه سيده فى الصندوق ويوهمه أن الفئران هى التى فعلت ذلك، إلا أن هذه الحيلة لم تنجح هذه المرة، إذ كانت مفاجأته عظيمة عندما اكتشف أن "لاثريو" يخبئ مفتاح الصندوق فى فمه أثناء النوم طوال هذه الفترة الطويلة، فكانت الضربة التى تلقاها منه على فمه كافية أن تدخله فى غيبوبة مدة ثلاثة أيام، بعدها أمسكه بيده وألقى به إلى الشارع. كانت وجهته بعد ذلك طليطلة حيث التقى رجلا ـ"سائس"ـ تظهر عليه آثار النعمة والثراء كالنبلاء، ويشارك فى القداس الدينى بخشوع شديد، فتوسم فيه الخير والصلاح. إلا أنه وجد نفسه يعيش مع شخص لا يملك شيئا فى هذه الدنيا إلا المظهر الذى كان يعتنى به لمغازلة النساء والفتيات، ويمشى فى الشوارع موزونا يستنشق الهواء، بينما "لاثريو" أصبح مرغما على تعاطى مهنة التسول التى تعلمها من سيده الأول "الأعمى"، وإعالة صاحبه البائس الذى يتصنع التكبر والعجرفة، واستمر أمرهما على هذا الحال إلى أن افترقا بسبب الدين الذى اقترضه سيده واضطره لمغادرة المدينة والتوارى عن الأنظار. أما الشخصية الرابعة التى التقى بها لاثريو فهو راهب يظهر التدين والاستقامة وفى الوقت نفسه له تجارب ومغامرات عديدة. وفى وقت لاحق سيقوم بخدمة مُرَوِّج صكوك الغفران الذى يعتمد الحيل والمكائد لابتزاز الناس باسم الدين، وكذلك خدمة راعى هيكل وشرطي. وفى الأخير سيتحسن حاله ويتزوج إحدى خادمات رئيس القساوسة التى كانت تحوم الشكوك حولها بسبب ترددها على سيدها بعد زواجها بلاثريو، علاوة على ذلك فقد أكد له من يعرفها حق المعرفة أنها ولدت ثلاث مرات قبل أن يقترن بها.