كتاب يستعرض الفن الإسلامي في عهد المماليك
Jul ١٩, ٢٠٠٨ ١٥:٠٠ UTC
ضمن سلسلة معارض متحف بلا حدود الدولية ـ الفن الإسلامي في منطقة البحر الابيض المتوسط
ضمن سلسلة معارض متحف بلا حدود الدولية ـ الفن الإسلامي في منطقة البحر الابيض المتوسط، صدر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة كتاب جديد بعنوان "الفن المملوكى عظمة وسحر السلاطين" الذي يعد مرجعاً علمياً يستكشف الفن والعمارة المملوكية في مصر، حيث بلغت الفنون الإسلامية في هذا البلد أوج ازدهارها في عصر المماليك. فكما استطاع المماليك تحقيق أعظم الانتصارات على أعتى القوى الصليبية والمغولية فإنهم ارتقوا بالفنون مستفيدين في ذلك بما تتمتع به مصر من تراث حضاري هائل وما يتوفر فيها من مواد وخامات ومهرة الصناع والفنانين القادرين على استيعاب مفردات تراثهم، وتطويع المواد المتوافرة لديهم فأنشأوا عمائر متقنة البناء متناسقة العناصر والوحدات، وأنتجوا تحفا دقيقة الصنع بديعة الزخارف. واستطاع الفن في العصر المملوكي إيجاد علاقات بين العناصر التي استمدها من فنون مختلفة ولاسيما من فنون الشعوب التي ينتمي إليها المماليك، فلقد اعتمد على الكثير من عناصر الفن السلجوقي في إيران، وعلى سبيل المثال، المدارس التي بنيت على أربع أيوانات تحيط بفناء كبير. ومن المعروف أن أول بناء أطلق عليه مسمى المدرسة كان المدرسة التي أنشأها السلاجقة في مدينة نيشابور شمال شرق إيران سنة 438 هجرية، والتي أصبحت نموذجا لأمثلة عديدة فيما بعد، فالمداخل المرتفعة مثل مدخل مدرسة السلطان حسن ومدرسة أم السلطان شعبان متأثرة بوضوح بطراز المداخل المعلقة عند سلاجقة الأنضول في تركيا، وبأرائكها المحاطة بإفريز مستطيل بارز تماثل الإيوان الضحل، ومن بين الملامح المعمارية الأخرى نرى الإيوان ذا الفسقية الذي يوجد في بيمارستان قلاوون، والقباب ذات الرقاب المرتفعة والعقود المدببة ذات الثلاثة والأربعة مراكز. كما في مدرسة صرغتمش، والقبة التي تغطي البلاطات الثلاثة التي تتقدم المحراب كما في جامع الناصر محمد، والتكسية بالبلاطات الخزفية والفسيفساء الخزفية مثل محراب لاجين في جامع بن طولون ومئذنة جامع الناصر محمد. ويكشف الكتاب أيضاً عن تفاعل بين الفنون في تلك الفترة مع فنون أخرى انتقلت نتيجة هجرة بعض الصناع من إيران والعراق والشام إلى مصر فرارا من الغزو المغولي، وظهر مزيج من الأشكال الفنية الجديدة مثل استخدام فتحات نافذة في أعلى عقود البائكات المطلة علي صحن المسجد في مسجد الناصر محمد بن قلاوون علی غرار الجامع الأموي بدمشق. ويؤكد الكتاب هضم الذوق المملوكي فنون الشعوب التي تربطهم بها علاقات سياسية أو تجارية واستمد منها بعض العناصر مثل الكتابات الكوفية المربعة التي تشبه طريقة الأختام الصينية المربعة في قبة المنصور قلاوون، واستخدام بعض العناصر الزخرفية الصينية مثل العنقاء والتنين والسحب وزهرة عود الصليب التي نجد أمثلة لها علي دكة المبلغ في خانقاه شيخو وعلي العديد من التحف الفنية المملوكية. وقد تعدد مظاهر الإبداع في مجالات العمارة الإسلامية في العصر المملوكي وإذا كان المماليك قد حافظوا على بعض الطرز التقليدية لبعض المنشآت مثل طراز المسجد التقليدي الذي يظهر واضحا في جامع الظاهر بيبرس وجامع الناصر محمد بن قلاوون بالقلعة وجامع الطنبغا المارداني وغيره من النماذج إلا أن الرغبة في التجديد كانت دائما السمة التي تميز تلك الفترة. ومن أهم الانجازات المعمارية التي شهدها العصر المملوكي المجمعات المعمارية المتعددة الأغراض (دينية ـ تعليمية ـ خيرية) وغالبا ما كانت المجموعة المعمارية تضم ضريح المنشئ وتعد مجموعة قلاوون بالنحاسين أول وأكبر مجموعة متكاملة في تاريخ العمارة الإسلامية في مصر إذ تضم المسجد والمدرسة والضريح والبيمارستان وهي قائمة في القاهرة حتى الآن. ومن أهم الفنون التي حققت تقدما ملحوظا في ذلك العصر حرفة الخشب الخرط المستخدم في عمل المشربيات، حيث أصبحت المشربية ملمحا فنيا مميزا للمنشآت المدنية المملوكية وبخاصة القصور والبيوت والوكالات، ولقد برع الفنان المملوكي في تجميع قطع الخرط الدقيق بحيث تشكل عناصر زخرفية متنوعة هندسية ونباتية وأشكال عمائر أو كتابات. كما تم استخدام البلاطات الخرفية في تكسية بعض أجزاء العمائر وهو أسلوب لم يستخدم في العمارة الإسلامية في مصر من قبل، فقد استخدمت البلاطات الخرفية في تكسية مئذنة خانقاه بيبرس الجاشنكير، وقمة مئذنة جامع الناصر محمد بن قلاوون بالقلعة. كما استخدمت في تكسية رقاب القباب مثل قبة طشتمر وقبة جامع الغوري ويشير الكتاب إلى تأثر الفنون الأوروبية بالفن المملوكي في استخدام زخارف بنفس طراز خط الثلث المملوكي علي الأعمال الفنية ومن أمثلتها تمثال داوود من عمل فيروشيو (1476م) المعروض في متحف بارجيللو بفلورنسا، وخط الثلث الذي يزين ذيل الرداء، تقليد للحروف العربية، ولوحة تبجيل الملوك من عمل جنتيلي دافابريانو المعروضة في متحف لوفيزي بفلورنسا التي تم تنفيذها عام 1423 م وتعكس تأثيرات فنية تعود إلى الاتفاقيات التجارية المعقودة بين فلورنسا ومصر، وكان لفن صناعة السجاد المملوكي أكبر الأثر في صناعة السجاجيد العثمانية سواء من حيث طريقة الصناعة أو الزخارف. وتوجد أمثلة من السجاد المملوكي في مسجد الوالدة الجديد باسطنبول الذي شيد في عصر السلطان العثماني مراد الثالث، وقد ظهر السجاد المملوكي في الأعمال الفنية الأوروبية وخصوصا في أعمال كارباتشيو. ويرجع بعض العلماء أن المآذن المملوكية قد أثرت في تصميم أبراج النواقيس في آخر عصر النهضة التي نقل عنها بدوره المهندس الإنجليزي كريستوفررن ما صممه من أبراج، كما ينسب العلماء استخدام النظام الأبلق، أي تتابع مداميك من أحجار داكنة اللون، وأخرى من أحجار زاهية اللون في كثير من المدن الإيطالية إلى تأثير العمارة المملوكية بالقاهرة. والكتاب لا يتوقف عند الفنون والعمائر والقصور والبيوت المملوكية في القاهرة فقط بل يرصدها في شمال وجنوب مصر، في الإسكندرية ورشيد وفوة، لكن يظل للقاهرة النصيب الأكبر والأوسع من الرصد حيث يتجول الكتاب بين جنباتها راصدا وواصفا ومحللا، ويستعرض في مقدمة طويلة التراث الفني الإسلامي في حوض البحر المتوسط وتطوره وأشهر معالمه والتأثيرات المتبادلة بين دوله وشعوبه على المستوى الفني.