غارودي: إننا أكثر حاجة من أي وقت لصعود جديد للإيمان
Jul ٢٢, ٢٠٠٨ ١٥:٠٠ UTC
صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت كتاب يحمل عنوان "روجيه غارودي: هذه وصيتي للقرن 21" للكاتب والصحافي العراقي
صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت كتاب يحمل عنوان "روجيه غارودي: هذه وصيتي للقرن 21" للكاتب والصحافي العراقي الدكتور شاكر شاكر نوري. جاء الكتاب موزعا على فصلين اثنين، حيث خصص الأول لمجموعة من الحوارات التى تستعرض آراء غارودي فى قضايا الساعة، ومنها الوجود الأمريكى فى العراق، وتفكيك شعارات "نهاية التاريخ" و"صدام الحضارات"، و"حروب الثقافات"، كما يعرج على نقد السياسات الغربية اتجاه الدول العربية والإسلامية، واتجاه دول العالم الثالث. أما الجزء الثانى من العمل، فقد استعرض فيه المؤلف تفاصيل دقيقة حول محاكمة غارودى بسبب كتابه الشهير الذى أحدث ضجة إعلامية وسياسية فى فرنسا، ونتحدث طبعا عن كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية". يهم القارئ أكثر التوقف عند بعض حيثيات الجزء الأول، حيث الترحال الممتع مع جرأة مشهودة لغارودي، وبداية، يرى بأننا نعيش "زمن الحروب الدينية"، والدين هنا ليس أيا من الديانات التوحيدية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، وإنما "دين وحدانية السوق"، حيث هناك إله واحد، وهو الدولار، والذى يشرعن شكلا جديدا من الاستعمار. فالولايات المتحدة تفرض سياسة "ديانة السوق التوحيدية"، وتتحكم هذه الديانة فى كل العلاقات الاجتماعية، وهى التى تقف وراء خلل هذا الخلل الرهيب فى سوء توزيع ثروات العالم، حيث تجمع الإحصاءات على أن حوالى 20 بالمائة من السكان يسيطرون ويستهلكون 80 بالمائة من ثروات العالم. أما العولمة، فليست سوى شكل من أشكال الاتحاد العالمي، مع فارق أن الخطوط العريضة لهذا الاتحاد تضعه الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك يجب وصف العولمة بأنها نظير للأمركة. ولذلك، كان مصيبا على ما يبدو عندما اعتبر أن الحدث الأكثر دلالة فى أواخر القرن العشرين ليس تفكك الاتحاد السوفياتي، أو تفكك "النموذج الكاريكاتورى للاشتراكية والماركسية"، وإنما إفلاس الرأسمالية بعد هيمنة دامت نصف ألفية على العالم، وهى ما تزال تقوده فى سباقها المحموم نحو الموت، ونحو "الانتحار الكوني". ومن أجل معرفة حجم مهمة تفكيك هذه الفلسفة الاستعمارية، يكفى أن نقوم بجردة حساب للقرن العشرين، ولا تشمل هذه الجردة حروبه فقط التى أدت إلى 11 مليون قتيل فى الحرب العالمية الأولى و50 مليون قتيل فى الحرب الثانية، من أوشفيتس إلى هيروشيما، ومن الجزائر إلى رواندا، ومن لبنان إلى فلسطين، ومن العراق الى كوسوفو، وإنما تضم أيضا ضحايا المجاعات والأوبئة، ومع تأمل طبيعة أكبر الجرائم التى ارتكبت فى التاريخ، يتبين أن البؤس والمجاعة قتلا أكثر من الحروب، والأدهى، أن نموذج النمو والتطور فى الغرب يكلف بقية أنحاء العالم، من خلال تعميم سوء التغذية والمجاعة. فالذين أبيدوا فى أعمال السخرة والأوبئة فى أوروبا أكثر مما أبيدوا بالسلاح، حيث قتل 100 مليون إفريقى من أجل نقل ما يتراوح ما بين 10 و20 مليونا من العبيد إلى أمريكا، وحسب إحصاءات نشرتها منظمة "اليونيسيف"، وتخص عام 1993 فى تقرير جاء تحت عنوان "تقدم الأمم"، فإن 13 مليون طفل تقل أعمارهم عن خمسة أعوام يموتون سنويا فى العالم، بسبب المجاعة وسوء التغذية والأمراض التى يسهل علاجها، والسبب فى ذلك، مرتبط أساسا بفرض نموذج التطور الغربى على الشعوب الأخرى. والخلاصة، أنه إذا استمرت الأوضاع على هذا المنوال، فإننا نتجه مباشرة نحو "الانتحار الكوني"، سواء من خلال ثورة الضحايا واضطهادهم الدموى أو من خلال إفقار الطبيعة وتلوثها. وقد اتضح أن التخلف ما هو إلا نتيجة ضرورية للتبعية الاستعمارية التى تتجسد حاليا فى صورة الهيمنة الأمريكية. أما عما يحتاجه العالم فى القرن الجديد فيشير غارودي إلى أننا أكثر حاجة من أي وقت مضى لصعود جديد للإيمان لا يعمل على تحريك الجبال فحسب بل يحمل الأرض بأكملها على أكتافه، من أجل التصدى للفلسفة المدمرة، عبر يقظة الإنسان ضد الحياة الخالية من المعنى، والمتمركزة على سلطة المال، وقد بدأت تسرى هذه اليقظة فى أغلب قارات العالم، سواء فى "لاهوتيات التحرير" فى دول أمريكا الجنوبية والوسطى، أو فى اليقظة الإسلامية، شرط أن تبتعد عن الأصولية والتشدد والتطرف الإسلامى الذى يشوه الصورة الحقيقية للإسلام. والحديث عن الصورة الحقيقية للإسلام، يحيلنا على موقف غارودي من مستقبل الإسلام، ويرى فى هذا الصدد أن ذلك يعتمد على طريقته فى التأسيس لحداثة خاصة به، "فى تقاطع ملفت مع أطروحة الفيلسوف المغربى طه عبد الرحمن، والذى يرى فى كتابه "روح الحداثة" أن "واقع المجتمعات الإسلامية هو إلى الحداثة المُقلِّدة أقرب منه الحداثة المبدِعة"، ويرى من ناحية ثانية أن "الحداثة لا تُنقل من الخارج، وإنما تُبتَكر من الداخل". وفيما يتعلق بأسباب تراجع دور المسلمين اليوم، يوجز غارودي أهم أسباب ذلك، على الأقل فى القرن الثانى عشر، إلى ثقل أسباب خارجية، ومنها سحق أكبر مركزين من مراكز إشعاع الثقافة الإسلامية، وهما بغداد وقرطبة، عندما استولى حفيد جنكيز خان على بغداد عام 1258، كما استولى فيرناند كاستيل الثالث على قرطبة عام 1236، دون أن يقزم من أسباب ذاتية، ساهمت فى انطفاء روح الإبداع العلمى تولدت من الداخل وجاءت من التقليد والانطواء على الذات والعزلة والاكتفاء. وأخيرا، يشن غارودى هجوما لاذعا على التلفزيون، فى برامجه السياسية والإشهارية على الخصوص، متهما إياه بأنه يمارس سلطته وتأثيره البديهين، ولا يضاهيه فى هذا التأثر على العقليات والسلوك حتى العائلة والكنيسة والمدرسة. وبالنسبة لفلسفة الإشهار التى تبثها القنوات الفضائية، يرى غارودى أنها لا تخرج عن الخضوع إلى قوانين وحدانية السوق التى تنظم قوانينها وتتحكم فيها الولايات المتحدة الأمريكية، منددا بثقافة العنف والسادية، موردا مثالا دالا وساخرا فى آن: "إذا كنت تحب زوجتك، فهذا لا يعنى أحدا ولا يهمه أمرك، أما إذا أقدمت على قتلها فيصبح ذلك حدث اليوم الذى يتسلل إلى صفحات الجرائد، ويستحق 72 ثانية فى نشرة الأخبار، وإذا قطعت أوصالها إلى أجزاء، فذلك سيسحق ثلاث دقائق، وفى حال ما إذا قمت بأكلها كما يفعل يابانى فى باريس، فهذا هو قمة الحدث".