كتاب يروي مشاهدات مؤلفه أثناء رحلته في طريق الحرير
Oct ٠٤, ٢٠٠٨ ٢٠:٣٠ UTC
صدر عن دار "شاتو ووندسور" للنشر في العاصمة البريطانية لندن كتاب جديد يحمل عنوان «ظل طريق الحرير» للمؤلف
صدر عن دار "شاتو ووندسور" للنشر في العاصمة البريطانية لندن كتاب جديد يحمل عنوان «ظل طريق الحرير» للمؤلف والباحث البريطاني كولن توربون الذي أمضى شطرا كبيرا من حياته وهو يحاول سبر أغوار آسيا، وهو يقدّم في كتابه هذا محصلة مشاهداته وما جمعه من معارف على طول هذه الطريق من منطقة كسيان في الصين وحتى انطالية في تركيا. إنها الطريق التي قطعها على خطى أولئك الذين كانوا قد مشوها قبله، ولكن التي لم يبق منها الآن سوى شبحها أو ظلّها كما جاء في عنوان الكتاب. بل لا يتردد المؤلف في القول إن طريق الحرير قد اختفت عمليا في الواقع، وكل ما بقي منها هو بعض المواقع التجارية التي يعرفها هذا المحور وبعض المحطات التي لا يزال يؤمّها بعض الرحالة والمغامرين الذين لا يزال الحنين يدفعهم نحو اكتشاف ما كان يمثل قديما قناة التواصل والتبادل الرئيسية بين الغرب والصين. ويؤكد المؤلف ـ الرحّالة أن أجزاء كثيرة مما كان طريق الحرير غدت عبارة عن مناطق مهجورة والكثير من المدن والبلدات التي كانت في الماضي ملتقى القوافل والتجار من كل حدب وصوب لم تعد سوى مدن أشباح . ويشير إلى أن مثل هذه الظاهرة تبدو بوضوح في مناطق شمال غرب الصين. وبهذا المعنى يغدو الحديث عن «طريق الحرير» بمثابة الحديث عن ظل وليس عن واقع . إنه حديث مصطنع عما كان حقيقة حية في الماضي. بل وكانت هي طريق التجارة وطريق الثروة الأكثر شهرة في عصوره المجيدة. لكن رغم زوال طريق الحرير فإن مؤلف هذا الكتاب يقرأ آثارها ودلالتها في وجوه البشر وعلى الأحجار وعبر المشاهد وفي الصروح . فهذه الدلالات كلها تدل على ماضي طريق الحرير وعلى ما عرفته محطاتها و جوانبها من تفاعل. وهكذا يتحدث المؤلف عن مشاهداته في شمال الصين لوجوه أشخاص زرق العيون وشعر أشقر. وإذا كان يميل إلى الاعتقاد أن أصولهم لا تعود إلى الرومانيين القدماء فإنه يرجّح أن يكونوا نتيجة اختلاط دماء بين رحّل وتجار فرس تعوّدوا أن يفدوا إلى هذه المنطقة منذ قرون وبين السكان المحلّيين. إنها لقاءات التاريخ، كما يقول. ويروي المؤلف العديد من المغامرات التي عاشها أثناء رحلته الطويلة وما صادفه من صعوبات الطريق التي لم يكن أقلّها اجتيازه لمناطق موحّلة ونومه في أماكن ينقصها الحد الأدنى من النظافة. ويشير بالمقابل أنه استفاد من تسهيلات كثيرة بحكم معرفته التحدث باللغات الصينية والروسية والانكليزية بالطبع وقدرته على التواصل مع السكان المحليين الذين ينتمون إلى بلدان مختلفة وقبائل مختلفة ومجموعات دينية مختلفة. إن مؤلف هذا الكتاب يوظّف خبرته التي كان قد اكتسبها خلال أسفار سابقة في طرق الصين وجبال آسيا الوسطى من أجل سبر طريق الحرير البالغ طولها 7000 ميل وتربط بين الصين وشواطئ البحر الأبيض المتوسط. إنها الطريق التي كان قد قطعها ذات يوم الرحّالة ماركو بولو. لقد استمرّت رحلة مؤلف هذا الكتاب قرابة ثمانية أشهر ومرّ في قلب الصين وبآسيا الوسطى وشمال أفغانستان وسهول إيران ومناطق تواجد الأكراد في تركيا. والتعريف الأشمل الذي يقدمه المؤلف لهذه الطريق هو أنها لم تشهد مرور التجّار والجيوش، وإنما شهدت أيضاً مرور الأفكار والمعتقدات والاختراعات. ويؤكد المؤلف على أن الأفكار كانت أهم ما شهدت طريق الحرير مروره. وإذا كان يشير إلى صعوبة القيام بتحديد دقيق للآليات وللسبل التي انتقلت بواسطتها وعبرها، فإنه يؤكد على أن المطبعة والبوصلة والبارود وأشياء أخرى عديدة هي اختراعات صينية وصلت إلى الغرب عبر طريق الحرير. وكذلك الأمر بالنسبة لـ « سروج الخيول» التي اخترعتها الصين في القرن الرابع وهي التي سمحت فيما بعد لـ «الفرسان» أن يصبحوا الصورة المركزية للغرب في العصور الوسطى وفي ظل النظام الإقطاعي . لكن بالمقابل، يشير المؤلف إلى أن البارود، ذلك المسحوق المتفجر هو الذي دمّر الكثير من القصور والقلاع. ويشرح المؤلف أن الصينيين يريدون إقناع الآخرين أنهم يمثلون ثقافة معزولة تخصّهم حصريا، لكنه يميل إلى خطأ ذلك ويبرهن على ذلك بوجود صناعات خزفية في الصين تظهر فيها تأثيرات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. كما يؤكد المؤلف أن سور الصين العظيم كان يرمي إلى صد المعتدين من البرابرة أكثر مما كان هدفه هو محاصرة الصينيين ومنعهم من الخروج . ومن الظواهر التي يركز عليها المؤلف هو قوله أنه لم يكن هناك من قطع سابقا «طريق الحرير» بأكملها ربما باستثناء ماركو بولو وعدد قليل من المكتشفين هكذا كان يتم نقل السلع بكل أنواعها على عدة مراحل مما كان يضاعف سعرها مرّات ومرات ولكن دون المعرفة الدقيقة آليات تصنيعه. هكذا مثلا ظل الغرب يجهل لفترة طويلة وجود دودة الحرير حيث كان يسود الاعتقاد أن الصينيين يجنون الحرير من الأشجار بواسطة نوع من الأمشاط. ويلاحظ المؤلف في النهاية أن تاريخ طريق الحرير قد ارتبط بتاريخ آسيا المضطرب كله. والشعوب التي كانت تعيش في مناطق هذه الطريق قد زالت أو تفرّقت غالبا. لكن لا يزال هناك من يعشقون الخرائب كما تثبت تجربة المؤلف. أما النصيحة الأساسية التي يقدّمها هذا المؤلف ـ الرحّالة لكل من يريد أن يعيش مغامرة السفر، هي أن يترك وراءه ثقافته وأحكامه المسبقة. فمثل هذا الانفتاح على الآخر يشكّل برأيه، شرطا لا بدّ منه لمن يريد اكتشاف العالم.