ساراماغو ينهي كتابه الجديد "رحلة الفيل" حول الرأفة والتضامن
Oct ٢١, ٢٠٠٨ ١٧:٠٠ UTC
أنهى الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو كتابه الجديد «رحلة الفيل» الذي سيصدر نوفمبر القادم باللغات الاسبانية والبرتغالية والكتالونية
أنهى الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو كتابه الجديد «رحلة الفيل» الذي سيصدر نوفمبر القادم باللغات الاسبانية والبرتغالية والكتالونية. الکتاب يتناول قصة حقيقية، جرت أحداثها في عصر ماكسيميليانو النمساوي، الذي ولد في فيينا وعين إمبراطوراً للمكسيك في عام 1864 وتم إعدامه في عام 1867، تروي تفاصيل رحلة ملحمية قام بها فيل آسيوي يدعى سالومون في القرن السادس عشر من لشبونة إلى فيينا. فكرة هذه الرواية، التي يميل صاحب نوبل البرتغالي إلى وصفها بالقصة، ظلت تدور في ذهن مؤلف «كل الأسماء» منذ أكثر من عشر سنوات، عندما سافر إلى النمسا ودخل عن طريق الصدفة إلى مطعم في سالزبورغ اسمه «الفيل». وضع سارماغو نقطة النهاية لهذه الرواية غير المنتظرة في منزله في جزيرة «لانزاروتي» الاسبانية الساحرة، حيث أمضى فترة نقاهة استعاد خلالها عافيته بعد أن أصيب بمرض في جهازه التنفسي كاد يودي بحياته. يؤكد ساراماغو الذي يشدد على أنه لا يريد إضفاء طابع المأساة على «وضع المؤلف المحبط بسبب شيء أقوى من إرادته». «كتبت كتبي الثلاثة الأخيرة وأنا في حالة صحية يرثى لها، لا شيء يستدعي مشاعر الفرح.أفضل القول: إذا كان يتعين عليك الكتابة، فستكتب»، يضيف صارما كعادته. من جانب آخر، تقول بيلار ديل ريو، زوجة ساراماغو ومترجمته إلى اللغة الاسبانية، إن «رحلة الفيل» كتاب جوقي تدخل فيه الشخصيات وتخرج وتتجدد وفقا للمتطلبات الروائية الخاصة التي فرضها المؤلف على نفسه وفرضت نفسها عليه»، وتضيف: «الفيل وراعيه لهما اسم كما هو حال شخصيات أخرى تبرز في الكتيبات التاريخية. وذلك على الرغم من أن شخصيات أخرى بلا أسماء تظهر في هذا السياق نفسه أيضا، أناس تمر بأسمائهم القافلة ويتشاطرون الحيرة أو الجهد أو الفرحة المتوافقة تحت سقف واحد بعد عدة ليالي من النوم في الهواء الطلق». هذه الرواية تحاكي عنفوان الخيال الذي يشهد لساراماغو به، ذلك أن «الرأفة التضامنية أو الشعور الإنساني المعبر عنه بلغة أدبية رفيعة يجتاز العمل كله ويميز ذاته ويعطي معاني عميقة أخرى لنفسه»، على حد تعبير ديل ريو. روح الفكاهة حاضرة كذلك في العمل والكاتب يوظفها «من أجل إنقاذ نفسه وكي يتمكن القارئ من التوغل في متاهة الإنسانيات التي تخوض نزاعا من دون أن يضطر لإنكار وضعه المحقق كانسان وقارئ بصورة علنية».«سخرية وتهكم واستهزاء وجمال في حالة خالصة، فضلا عن شعور الكاتب بالمسؤولية «كل ذلك حاضر بقوة في هذا الكتاب» الذي لا يعد كتابا تاريخيا، مع أنه يتناول مسألة موجودة في التاريخ أو في التاريخ الصغير توخيا للدقة، على الرغم من تدخل شخصيات لها حياة حقيقية تعود الآن إلى الحصول على فرصة جديدة للتعايش مع سوابق أخرى من مخيلة الكاتب.كل هذه العناصر تسكن سويا في الصفحات نفسها، لكن ليس بتقلبات وتحولات متشابهة»، على حد تعبير ديل ريو. كما هي العادة في روايات مؤلف «بحث حول العمى»، فإن «رحلة الفيل» مرقنة وفقا لقواعد خاصة بها، حيث تؤكد ديل ريو أن «الحوارات تتداخل مع اللغة السردية، مشكلة مجموعة من العناصر التي يتعين على القارئ ترتيبها انسجاما مع إيقاع أنفاسه الخاصة»، وتضيف زوجة مؤلف «المغارة» أن «القارئ كائن أساسي يستجوبه ساراماغو ويورطه في النص بصورة مستمرة»، إذ يقول: «تمكنت من رفع سياج بين الأنا التي كتبت والأنا التي عانت». يبدو أن مرض ساراماغو الأخير لن يمر مرور الكرام، فلقد حفر أخدودا عميقا في فكره ووجدانه، وليس أدل على ذلك من قوله: «أثق بأن الموت، الذي حاول النيل مني، يعطيني متنفسا لبعض السنوات الإضافية»، وهو يؤكد هذا مدركا أنه تجاوز محنة موت حقيقية ليتسنى له وضع النقطة الأخيرة في آخر صفحة من صفحات « رحلة الفيل»، وهذا يعني أن «كتابة هذا الكتاب لم تكن نزهة عبر الريف، فلقد شرع ساراماغو في هذه المهمة عندما كان يعاني من مرض دام شهورا حتى أفصح عن هويته وجعلنا نخاف على حياته. في المستشفى، وصل الأمر بساراماغو نفسه إلى حد التشكيك بقدرته على إنهاء الكتاب»، على حد تعبير بيلار ديل ريو، التي أكدت ذلك أثناء وجودها في مقر مؤسسة ساراماغو. قصة سارماغو مع المرض والوقوف على حافة الموت والنجاة من الموت تتشابه تماما مع قصة الكتاب الجديد، الذي يتحدث عن رجل يشعر بأنه على حافة الموت وينقذ عندما يسمع نداء الفيل.في الحياة الحقيقية، كان الكاتب يرى مكتبه عبر نافذته. ثمة كتاب هناك-هذا ما كان يقوله سارماغو للأطباء- كان بانتظاره وكان يناديه. هكذا يكتب ساراماغو «في رحلة الفيل»: لا تهب الريح، غير أن الضباب يبدو متحركا على شكل زوابع بطيئة كما لو كانت رياح الشمال تتحرك في باطن شخص فتنفثها من أقصى زاوية في الشمال ومن الجليد الخالد. لنعترف بأن ما هو ليس جيدا يكمن في أن يأتي شخص، في وضع حرج كهذا، وينكب على تلميع النثر ليضيف إليه بعض الانعكاسات الشعرية من دون أي دلالة على الأصالة. عند هذه الساعة لاحظ رفاق القافلة هفوة الغائب، اثنان أعلنا نفسيهما متطوعين لتأخير الطوفان البائس والنجاة منه، وكان من الممكن أن يستحق ذلك الكثير من الامتنان لو لم يكن من أجل شهرة كسول لتبقى ترافقه بقية حياته. تخيلوا- كان الصوت العلني ليقول- الرجل واقفا هناك منتظرا ظهور أحد ما لإنقاذه، ثمة أناس لا يراودهم أي نوع من الخجل.صحيح أنه كان جالسا، لكنه أصبح الآن يقف على قدميه وخطى بشجاعة الخطوة الأولى، الساق اليمنى أولا، من أجل طرد شرور القدر وحليفيه الجبارين، الحظ والصدفة. الساق اليسرى تبدو مرتابة فجأة وما كان ينقصه هذا على الإطلاق، ذلك أن الأرض لم تعد ترى، كما لو أن موجة من الضباب قد بدأت بالصعود.مع الخطوة الثالثة لم يعد يتمكن من رؤية حتى يديه الممدودتين إلى الأمام، كما لو أنه يريد حماية أنفه من الارتطام بالبوابة غير المنتظرة. حينها خطرت له فكرة أخرى، فكرة أن الطريق فيه انعطافات على الجانبين وأن الوجهة المعتمدة، الخط الذي لم يرغب بأن يكون مستقيما فقط، الخط الذي أراد الحفاظ عليه ثابتا في ذلك الاتجاه، ستقوده في نهاية المطاف إلى مناطق متجمدة، حيث ستكون خسارة كينونته، الجسدية والروحية، مؤكدة مع عواقب مباشرة في المحصلة النهائية. وكل هذا، آه يا أيها الحظ الشرير، من دون كلب يمسح له دموعه عندما تأتي اللحظة العظيمة.