صدور مجموعة من رسائل الأديب الروسي تولستوي في اسبانيا
Nov ١٨, ٢٠٠٨ ١٧:٠٠ UTC
قال الأديب الروسي المعروف ليو تولستوي: «يكفي النبي الاكرم محمد (ص) فخراً أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوه أبنائها طريق الرقي والتقدم، وان شريعته ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة».
قال الأديب الروسي المعروف ليو تولستوي: «يكفي النبي الاكرم محمد (ص) فخراً أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوه أبنائها طريق الرقي والتقدم، وان شريعته ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة». صدر في اسبانيا أخيراً كتاب يضم 386 رسالة كتبها الأديب الروسي تولستوي (1828ـ 1910) إلى أحبائه وأصدقائه وسمحت للباحثة وكاتبة السيرة المكسيكية سيلمى ألسيرا بإعادة بناء الصورة التقليدية المأخوذة عنه ومكنتها من أن تتطلع من المصدر الأول على وجهة نظر الأديب الحقيقية حول أهم رائعتين كتبهما: «آنا كارنينا» و«الحرب والسلام». يعود الفضل في معرفة هذا الوجه الآخر من شخصية تولستوي إلى أن رسائل الكاتب الروسي الكبير المشار إليها تسجل وجود مسافات جدية كانت تفصله عن مضامين أعماله، على حد وصف صحيفة «الباييس» الاسبانية. إحدى الرسائل تقول: «الآن سأباشر كتابة آنا كارنينا المملة وأدعو الله أن يمنحني ما أحتاجه من قوة كي أرفعها عن كاهلي بأسرع وقت ممكن»، أما فيما يتعلق برواية «الحرب والسلام»، فإن الكاتب لا يتردد في القول إنها «تبدو لي مثيرة للاشمئزاز وكريهة. إنه شعور مماثل لذاك الشعور الذي يختبره شخص عندما يرى آثار حفلة سكر وعربدة كان قد شارك فيها». التفسير الذي تورده الصحيفة الاسبانية لهذه التعليقات الساخرة يفيد بأن تولستوي «كان قد انتقل إلى لحظة أخرى من حياته وأصبح يعيش حصراً من خلال علم التربية ومن أجله ومن أجل مراجعة الإنجيل وكتاباته الدينية، حتى أنه كان يتساءل حينها حول كيفية تمكنه من كتابة كل هذا القدر من الكذب والأدب السطحي. لاحظ أنه منذ ذلك الحين لن يكتب مجدداً أي رواية عظيمة. عملت ألسيرا طيلة ثماني سنوات في موسكو وهي تراجع أوراق تولستوي في القبة التي تحتضن أكثر من 10 آلاف رسالة للكاتب. وجاءت النتيجة النهائية لعملها مثمرة إلى حد كبير ويمكن وصفها بالصرحية مثلها مثل أعمال تولستوي نفسها، فلقد زودت الباحثة المكسيكية المكتبة العالمية بصورة ذاتية تقع في مجلدين يضمان المذكرات ومجموعة مختارة من الرسائل، التي يبلغ تعدادها نحو 290 رسالة، يظهر فيها إنسان عاطفي إلى درجة الاستحواذ، إنسان متناقض مع نفسه ويسير عكس أي تقاليدية أخلاقية أو فلسفية معروفة». ألسيرا أكدت لصحيفة «لا فانغوارديا» الاسبانية أنها ارتأت «إصدار المذكرات والمراسلات معاً بحيث تكون كل بداية من بدايات يومياته وكل رسالة كتبها مكعباً في رقعة الفسيفساء لاستكمال صورة شخصية تولستوي الكاملة». كما أوضحت الباحثة أن حياة تولستوي كانت حالة متواصلة من الذهاب والإياب من طرف قصي إلى طرف قصي آخر، من كائن صياد إلى فيلسوف صارم، من كحولي إلى كائن مشجع للجمعيات المناهضة للتدخين والمشروبات الكحولية. شخص زاد من حدة الحرب والموت ليتحول لاحقاً إلى الكتابة مع غاندي، الذي أسر له بأن موقفه الرافض للحرب كان القرار الأمثل. أي أن هذه الرسائل تغلق الصورة الأكثر اكتمالاً للكاتب الروسي وتعكس تحول تولستوي البطيء من كونت إلى راهب. صورة متحركة، عبارة ربما هي الأقرب إلى وصف شخصية تولستوي، الذي قال: «من أجل العيش بشرف، لا بد للمرء أن يتمزق ويتشوش ويناضل ويخطئ ويبدأ ويترك ويبدأ من جديد ويترك من جديد ويكافح إلى الأبد ويعاني شتى صنوف الحرمان. الهدوء انحطاط أخلاقي». ما طبيعة الصورة التي تظهر في عمل الباحثة المكسيكية؟ رجل متعجرف، شديد الانفعال، مندفع، ضال، حاد الذكاء، ويخلط كل هذا مع نزعة عاطفية حادة في صيرورة تحليل ذاتي دائم بحثاً عن الحقيقة. لكن تلك النزعة العاطفية لم تمنعه من أن يكون قاسياً مع شكسبير ومن تحدي تورجنيف، بعد أن كتب عن نفسه معتبراً أنه أفضل من دوستوفسكي، الذي لم يقابله قط. أي أننا أمام شخصية معقدة ومتناقضة، قرأ بوذا، النبي الكريم محمد (ص)، لاو تسي، الإنجيل، إيبيكتيكو، كانت، نيتشه، قارئ باللغة الانجليزية والفرنسية والألمانية واليونانية، قارئ لم يتمكن من ضبط إيقاع مثالياته وجمالياته مع واقع حياته التي تسودها حركة متواصلة من التناقضات. الأمر الذي يجعل من الطبيعي أن يكتب في عام 1854 في حملة القوقاز عبارات مثل «الحقيقة أنها متعة غريبة قليلاً رؤية أشخاص يقتلون بعضهم بعضاً»، وأن يدافع عن المقاومة غير العنيفة وأن يكون بالتالي قريباً من غاندي.. تولستوي يواسي صديقاً ضعيفاً منهك القوى بالقول: «لا تأبه لمرضك. فمن الجيد أن يكون المرء مريضاً. خلاف ذلك، سيكون الموت غاية في الصعوبة». المذكرات والرسائل تكذب المقولة السائدة التي تقابل تولستوي الأوروبي الأول مع دوستوفسكي العبد. تولستوي يعود من رحلته إلى أوروبا مرعوباً، على سبيل المثال حين يحضر في باريس حالة قطع رأس بالمقصلة، نجده لا يستوعب كيف يمكن إنهاء حياة كائن بشري بدم بارد. وهذه إشارة على حدوث الطلاق بين تولستوي وطبقته الاجتماعية، والوهم، ومقولة الفن من أجل الفن، في حين يغص الواقع الذي يراه بالرذالة والظلم والمعاناة والبؤس، الأمر الذي يحركه باتجاه أن يعيب على برنارد شو تهكمه وعلى غوته قوافيه العقلانية وعلى زوجته إيثارها سخافة الحياة الحضرية أو يجعله. في نهاية المطاف، يلوم نفسه على الهوة التي يراها بين تولستوي الكاتب وتولستوي صانع اختبارات ضميره اليومية، وصولاً إلى درجة إنزال اللعنات على رواياته، على غرار ما حصل لرواية «آنا كارنينا» ـ «ليت أحداً يستطيع إنهاءها بدلاً عني، إنها منفرة وتثير الاشمئزاز» ـ أو رواية «الحرب والسلام»، التي أعاد كتابتها كاملة سبع مرات. إن تحول تولستوي من كونت إلى راهب حصل بصورة تدريجية. ذلك أن الاهتمام النهم للكاتب القهري بالعالم حمله على الاهتمام بالفلسفة والدين والإصلاح الاجتماعي وعلم التربية، إذ تقول سيملى أنسيرا: «لقد وجدت 150 نصاً تربوياً لتولستوي لا تزال تلقن حتى يومنا هذا للأطفال في روسيا وفي المستوطنات التي أسسها هو ولا تزال تتبع أطروحاته، لقد تمكنت من أن أتحقق بنفسي من أن الأطفال يخرجون باسمين وفرحين» من صفوفهم. إن منظومة القيم المثالية عند تولستوي كانت تعكس نزعة إنسانية مسيحية شخصانية. لن أؤمن قط بإخلاص المعتقدات المسيحية أو الفلسفية أو الإنسانية لدى شخص يقوم بتفريغ المبولة على خادمة. هنا يعكس تولستوي الأخلاقية الأكثر رفعة وبساطة: أن يخدم الآخرون المرء بأقل قدر ممكن وأن يخدم المرء الآخرين بأكبر قدر ممكن. مطالبة الآخرين بأقل قدر ممكن وإعطائهم أكبر قدر ممكن. أحجية أخرى من أحجيات تولستوي تكمن في علاقته مع صوفيا، زوجته. فلقد تزوجا عندما كان عمره 36 سنة بينما لم يتجاوز عمرها 18 سنة. رزق بـ 13 طفلاً عاش منهم 8. لم تستوعب قط الحياة الفلاحية والمتواضعة التي أراد أن يعيشها زوجها وقاومت قيام تولستوي بتسليم أراضيه إلى الفقراء وترك أعماله الأدبية بلا حقوق فكرية. عشقت موسيقى وتولستوي انتقم منها بصورة وحشية فكتب «سوناتا كروتزر» وراح يضطهدها أمام أبنائها ـ كما أجبرها على قراءة النشيد بصوت مرتفع ـ وأمام روسيا كلها. بحسب سيلمى أنسيرا، فإن ذلك موجود في منشأ الحقد على بيتهوفن وعلى الرسم، ذلك الحقد الذي أعرب عنه المؤلف في «ما هو الفن؟». فلقد كان ذلك الموسيقي يصطحب زوجة تولستوي إلى حفلات موسيقية لبيتهوفن على وجه التحديد، حيث كانت تعزف الأعمال المنتقدة من قبل تولستوي وإلى معارض للرسم مذكورة بشكل سلبي في الكتاب ونهاية علاقتهما جديرة بأن يصنع منها دراما حقيقية قوامها هذه الثلاثية في العلاقة. كانت صوفيا ترد على محاولات هرب زوجها بعد أن يكون قد امتطى صهوة حصانة، وهي هائجة بالصرخات وتطل برأسها من النافذة وبيدها زجاجة من الزرنيخ أو مطروحة بملابسها في بركة مياه متجمدة. لكن تولستوي تمكن أخيراً من الهرب بسنواته الـ 82 بصحبة ابنته ساشا. تولستوي الشهير جداً في سائر أرجاء روسيا كان يشتري في محطات القطارات تذاكر سفر إلى وجهات كثيرة مختلفة ومزيفة لتضليل صوفيا. وقام برحلته الأخيرة في عربة قطار متواضعة تسلل إليها من فتحاتها والريح المتجمدة أثناء الشتاء الروسي تعصف بالمكان. أصيب بمرض داء الرئة وأودعوه في كوخ. زوجته عثرت عليه، لكن تولستوي المحتضر رفض استقبالها. وهناك صورة مؤثرة تعكس حجم تلك المأساة، حيث تظهر صوفيا محاولة إلقاء نظرة من الشارع عبر النافذة على الغرفة التي كان يقبع فيها زوجها، الذي لا تستطيع الوصول إليه وهو على فراش الموت بعد أن عاشت معه طيلة 48 عاماً. حصل ذلك عام 1910، قبل سبع سنوات من قضاء الرياح الثورية الشديدة على روسيا القديمة. ولد ليو تولستوي في بوليانا عام 1828 وتوفي في أستابوفا عام 1910، وكانت حياته غنية ومتنوعة ومؤثرة مثل أعماله الأدبية الكثيرة. في عام 1876، دفعته أزمة روحية إلى تشكيل تأويل شخصي للمسيحية أثر بصورة عميقة على غاندي. وتعتبر روايته «الحرب والسلام» أكثر رواية واقعية كتبت على الإطلاق. يعد كتاب «الحرب والسلام» من أشهر أعمال تولستوي، ويتناول هذا الكتاب مراحل الحياة المختلفة، كما يصف الأحداث السياسية والعسكرية التي شهدتها أوروبا في الفترة ما بين 1805 و1820. وتناول فيها غزو نابليون لروسيا عام 1812م. ومن أشهر كتبه أيضاً «أنا كارنينا»، الذي عالج فيه قضايا اجتماعية وأخلاقية وفلسفية في إطار دراما غرامية كانت بطلتها هي أنَّا كارنينا. ومن كتب تولستوي أيضاً كتاب «ما هو الفن؟»، الذي أوضح فيه أن الفن ينبغي أن يُوجِّه الناس أخلاقياً، وأن يعمل على تحسين أوضاعهم، ولابد أن يكون الفن بسيطاً يخاطب عامة الناس.