نشر مختارات عن الشعر الفلسطيني الجديد في بلجيكا
Nov ١٨, ٢٠٠٨ ١٧:٠٠ UTC
صدر عن دار «لوتايي بري» في بلجيكا حديثاً باللغتين الفرنسية والعربية کتاب تحت عنوان «القصيدة الفلسطينية المعاصرة».
صدر عن دار «لوتايي بري» في بلجيكا حديثاً باللغتين الفرنسية والعربية کتاب تحت عنوان «القصيدة الفلسطينية المعاصرة». والکتاب عبارة عن مختارات من موجة الشعر الفلسطيني الجديد أعدّها الشاعر غسان زقطان وقدم لها ونقلها الى الفرنسية انطوان جوكي و. وحوت المختارات مقدّمة بالفرنسية كتبها إريك برونييه. هنا المقدمة التي وضعها زقطان للمختارات.كان السؤال متطرفاً في إعداد هذه المختارات بين انطولوجيا شاملة تكتفي بإدراج أسماء الشعراء ومقاطع قصيرة من أعمالهم كنماذج، وهو ما كان سيسمح بحضور قائمة أكثر شمولاً تغطي مساحات زمنية واسعة ولكنها ستبدو في النهاية أقرب الى فهرسة طويلة وضيقة، وبين مختارات مبنية على رصد الاتجاهات الرئيسة والتحولات التي شهدتها الشعرية الفلسطينية في مطالع الثمانينات من القرن الماضي والتي أنجزها ما اصطلح على تسميتهم «جيل الثمانينات» وما تلاهم، وهي تحولات شملت البنية الفنية للقصيدة الجديدة وفتحتها أمام خيارات وتجارب متعددة من جهة ومضامين هذه القصيدة واهتماماتها التي شهدت تبدلات عميقة في العقود الثلاثة الأخيرة طاولت العناصر الأساسية المكونة للنص الشعري من جهة أخرى. ولعل الجهد المهم الذي بذله شعراء وباحثون مثل الشاعر المغربي المقيم في فرنسا عبداللطيف اللعبي الذي أنجز انطولوجيا الشعر الفلسطيني باللغة الفرنسية في مطلع التسعينات من القرن الماضي وأعاد تقديمها والإضافة عليها في طبعة ثانية، والترجمات اللافتة التي أنجزها الباحث الفلسطيني «الياس صنبر» لأعمال الشاعر محمود درويش التي صدرت عن دار «غاليمار» الفرنسية، في أكثر من طبعة، إضافة الى أكثر من انطولوجيا ظهرت باللغة الفرنسية للشعر العربي الحديث وتضمنت أسماء لشعراء فلسطينيين من أجيال مختلفة كجزء من المشهد الشعري العربي، هذا الجهد الذي وفر للقارئ باللغة الفرنسية إمكان الاطلاع، ولو جزئياً، على حركة الشعر الفلسطيني، هو الذي عزز فكرة الذهاب أبعد قليلاً نحو التركيز على الاقتراحات الجديدة في القصيدة الفلسطينية عبر هذه المختارات التي تكتفي بستة عشر شاعراً من «جيل الثمانينات» وشعراء «الموجة الجديدة» ضمت أصواتاً من المنفى ومن الداخل. في النصف الثاني من عام 1948 واثر قيام كيان الاحتلال الإسرائيلي كان واضحاً أن الشتات اليهودي قد استبدل بالشتات الفلسطيني وأن المنفى سيتحول مكوناً رئيساً في الثقافة الفلسطينية ومصدراً أساسياً من مصادرها. كانت الهزيمة قد اكتملت وكان الفلسطينيون في منفاهم الذي تراكم من دون حماية ومن دون أبطال ومن دون «رواية» خاصة بهم، الأحياء ليسوا أبطالاً: تلك هي «حكمة» الهزيمة، الأبطال هم الموتى الذين لم يتمكنوا من الخروج الى المنفى وظلوا هناك مثل حكاية منجزة ومغلقة تماماً على غيابهم. من هنا تشكلت فلسطين في المخيلة الشعرية كـ «أرض ميعاد» جديدة خاصة وساكنة وغير قابلة للتبدل في ما يشبه استعارة ميثولوجية من «العدو المنتصر»، وتكرس الفلسطيني، في امتداد لهذه الاستعارة، كبطل محمي بموته، والفلسطينيون كـ «شعب مختار» في محاولة لحماية وجودهم وهويتهم من الذوبان في المحيط الذي تدفقوا نحوه، وبدا أن ورشة ترميم بلاغية هائلة تقوم على إعادة بناء العالم الذي تهدم، تماماً، على الأرض وإعادة تشييده بلاغياً بموازاة الواقع الطارئ وضمن ثنائيات مطلقة ولا نهائية تتكئ على نفي «العدو» وإقصائه من «الرواية» عبر التعامل معه كـ «حادث طارئ» وضمن جماعة مغلقة يصعب تفكيكها واستدراجها الى مصائر فردية. وبقليل من البحث والتأمل ستجد لهذه الاقتراحات جذوراً في الميثولوجيات السورية والرعويات الكنعانية التي شكلت الطبقة الأساس أو البنية التحتية لما تراكم على فلسطين التاريخية من طبقات ثقافية لاحقة. من هنا تكتسب تجربة «محمود درويش» أهميتها الاستثنائية في تعميق الخيارات الجديدة في القصيدة العربية الحديثة والفلسطينية تحديداً ولدى هؤلاء الشباب بصورة خاصة، لقد شكلت تجربته منطقة بحث بدت ضرورية في الاشتباك الذي تتقاطع فيه المعايير وتتداخل الحدود بين مرجعيات مترفة ومثقلة بالبلاغة، بين ما هو واقع قاس ومتقشف وغاضب وبين الحلم، بين «المنفى» بحمولاته الكثيرة وتنوع مستوياته وسكونية وصفه، المصاغة بتسرع والمتروكة مثل قلق مقدس غير قابل للتأمل أو التدخل، بعد أن أنجز الشعراء السابقون الصفة ولم يعد ممكناً العبث بها أو الإضافة إليها إلا في تعميق الوصف وإعادة إنتاجه، وبين «الوطن» بكل تأويلاته وما يستدعيه من حنين وجماليات منجزة، بعد تنقيته من شبهة التبدل وتنحية كل ما يشير الى ذلك، «مكان» مقدس بانتظار «عودة» مقدسة، بين الولاء بسذاجته وبساطة أدائه وبين التمرد بانفتاحه الصعب على التجارب وحركة الأشياء. لقد وفرت تلك القدرة المدهشة لهذا الشاعر على تحريك «الأشياء الثقيلة» ومزج الثنائيات، الخروج بتأمل مختلف يجمع بين دفاعه العميق عن منفاه واستحضار الوطن كواقع حميم ومعاصر وغير مفصول عن الحياة، بين الاشتباك المباشر والجسدي مع «العدو» وبين تفكيكه واستدراجه من أكثريته والتعامل معه كجزء أساس من عالمه وتكوينه الشعري، هذا العالم المحكوم بوجود «العدو» وحضوره القسري وشراكته، عالم محكوم بالبحث عن العدالة في مواجهة هزيمة مسلّم بها، ربما لهذا اختار «درويش» أن يكون شاعراً طروادياً لثقته بأن طروادة لم تكتب روايتها بعد، وهو في هذا أحد الشعراء القلائل الذين نشأوا على الضفة الجنوبية للمتوسط وواصل حضوره عبرها من دون محاولة استعارة «المكان الآخر» أو «الانطباع الآخر» والتماشي مع تجول الأشياء على الضفة الأخرى أو الالتحاق بصورتنا «هناك» هذا اذا استثنينا «قسطنطين كفافيس» السكندري اليوناني الذي يكاد يكون نقيضاً نموذجياً لـ «درويش» في دأبه وعناده لنقل المكان الآخر والزمن الآخر واللغة الأخرى الى «هنا» في عملية نفي وإقصاء متداخلة، رجل صبّر الزمن الهلليني في زجاجة واحتفظ بها قرب قلبه. هذا البحث، الذي وفرته تجربة درويش المدهشة، هو الذي خلخل مجموعة الحقائق التي كانت دائماً «هناك» في انتظار النص كمقياس لجودته وفاعليته ودفع التجربة الشعرية الى الدخول في شبكة من التناقضات والقلق التي تشكل بنية الكتابة. إن الذهاب اليومي والالتفات الحميم الى تفاصيل الحياة والتخفف من البلاغة والأفكار الكبيرة وبناء علاقات جديدة مع العادي هي ما خلخل القاموس التقليدي وفككه وأعاد تركيبه في بنى جديدة ودلالات مختلفة، وهي ما يمكن أن نلاحظه بقوة في نصوص شاعر مثل «وليد خازندار»، في حين سيكثف مجايله «زكريا محمد» لغته في ما يشبه هجاء لفكرة البطولة بمعناها السائد وضمن لغة متقشفة يواصل عملية هدم لا نهاية لها من دون رغبة في البناء. وسيبحث «زهير أبو شايب» تحت ضوء خفيف في منطقة تأملية خاصة به عن خسارات قديمة لم يعد في الإمكان استعادتها أو العـبث بمصائرها، وسيواصل «طاهر رياض» الحفر في حقله الخاص بأدوات هي مزيج متقن من ذاكرة حسية وتأمل صوفي في الجسد، فيما يجرؤ «عثـمان حسين» على الحـديث عن الشارع الحقيــــقي والمدينة الحقـــيقية والرجل الأربعيني الذي يحـــمل سؤاله مثل نبوءة في ما اذا كانت «رفح» قادرة على احتمال أعمى آخر! وخالد عبدالله الذي يحاول في كـــــل مرة أن ينظف نهاره من «الأباتشي» أو أن يقوم بترويضها وتحويلها الى طائر أليف في سماء «غزة» بمخيلة أقرب الى ألوان الباستيل. ان كتابة نص عن فتاة تصعد الباص المزدحم من مخـيم «الدهيشة» الى مدينة «بيت لحم» سيبدو خارجاً عن السياق وجانبياً تماماً في محيط انفعالي يتلقى بانتظام أشرطة مصورة لشبان قرروا الموت، شبان يواصـــلون مخاطبة العائلة من موتــهم الذي حقــــقوه ببـــلاغة جسدية تتماشى مع بلاغة الخطاب الذي يوجهونه بلغة قادمة من القرآن الكريم، مستعينين بكل ما يمكن أن يحقق هذه البلاغة بصرياً: السلاح الممسوح بالزيت والمعروض بعناية، الملصق والشعار، اليقينية المطلقة للبطولة المتحققة والتي ستبلغ ذروتها بالموت...، ستبدو «البلاغة» هنا بمستوياتها الكثيرة، اللغوية والبصرية ويقينيتها القادمة من المقـــدس «نــوعاً من الحل» لمعضلة الواقع غير القابل للتغيير والذي أغلق في شكل كلي بواســطة الاحتلال وحوصر وعزل على مدار عقود طويلة، لقد أقصى الاحتلال أحلام الفلسطينيين تماماً، تلك الأحلام المرتبطة بأفكار «العودة» و «الحرية» والخلاص من الاحتلال وتدخله الفظ في الشؤون الصغيرة للحياة والدأب الوحشي الذي يواصله في استيطان الأرض والحياة اليومية واللغة و «الرواية» الأخرى المقترحة لفلسطين والقادمة من «المقدس» أيضاً! الكابوس الذي هو الاحتلال سيمنح «بلاغة البطولة» مبررها والقدرة على صوغ المخيلة وقيادتها والذهاب بها الى أقصى درجات «الحلم»، حيث تصبح الأحلام مقدسة ومستحيلة في الوقت نفسه، وحيث يختلط الحلم بالتخلي عن الحياة ضمن مشهديات «فخمة» وتقترب ظلال أكثر بعداً وغموضاً لضفة أخرى تصلح لحياة متمناة في ما يشبه وعداً قاطعاً بالخلاص.