صدور رباعيات عمر الخّيام بحلة جديدة في بيروت
Dec ٣١, ٢٠٠٨ ٠٤:٠٢ UTC
كتب الدكتور يوسف بكّارأستاذ النقد الأدبي بجامعة اليرموك في أربد بالأردن مقدمة جميلة استهل فيها رباعيات الشاعر الايراني الكبير عمر الخيام
كتب الدكتور يوسف بكّارأستاذ النقد الأدبي بجامعة اليرموك في أربد بالأردن مقدمة جميلة استهل فيها رباعيات الشاعر الايراني الكبير عمر الخيام التي ترجمها محمد صالح القرق، وصدرت مؤخرا في بيروت بحلتها الجديدة والمهمة فقال: اختار المترجم رباعيات ترجمته اختياراً ينمّ عن فكره وجوانب من فهمه للحياة والكون والخلق. إنها ترتكز في الأكثر على حقيقة الحياة ورحلة الإنسان فيها مما يدعو إلى اغتنام لحظة العمر دون نسيان الدار الآخرة، وهو ما يؤمن به الشاعر ويعمل له بوعي وحكمة، وما يتردد في جنبات كثيرة من أشعاره هو نفسه. أضاف: لقد تخلى المترجم عن قالب الرباعية الفارسية أربعة شطور «بضروبها الثلاثة المعروفة» التام والتام المردف والأعرج»، وامتطى قالب «المربعة» أربعة أبيات. الترجمة اتصالية، معنوية فضفاضة وليست حرفية، وهذه حتميات قالب «المربعة» الذي كاد المترجم يحكم سيطرتها عليه، إذ حافظ في أكثرها على مفصل الرباعية الأصل وبؤرتها المركزية وفكرتها الرئيسية، وجعل يمتح منها ويحلّق في جوهرها تحليقاً شعرياً لا تكلف فيه أو صنعة أو بعداً عن المحور». وتابع د. يوسف بكار: من الواضح أن روح عمر الخيام كانت تخاطب روح محمد صالح القرق منذ سنوات صباه، عاشت معه كل هذه السنوات الطويلة إلى أن ترجمها مؤخراً، مكرساً تسعة أعوام من حياته ليترجمه، نظما شعرياً لا يقل نضارة عن شعره الأصلي باعتراف أساتذة النقد الأدبي. ويورد المترجم في كتابه حياة هذا الشاعر، ولعل حياة الشاعر، غياث الدين عمر بن ابراهيم الخيّام، الذي ولد حوالي عام 433ه ـ 1040 م في نيسابور بخراسان. ولم يكن عمر الخيّام شاعراً فحسب بل كان من اكبر علماء الرياضيات في عصره واشتهر بالجبر واشتغل في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاه. وهو أول من اخترع طريقة حساب المثلثات والمعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط. ألف في الوجود والكون والطبيعيات حتى لقب بـ «الحكيم» و«الإمام» و« الدستور». قديما عرف المؤرخون العرب والمسلمون فضله وأشادوا في كتب التراجم وحديثاً صرف الغربيون الهمم لدراسة فلسفته وشعره من خلال الرياضيات. ويؤكد المترجم أن عمر الخيام كان يقرض الشعر بالعربية، ومن ذلك قوله: سبقت السائرين إلى المعالي بثاقب فكره وعلو همه فلاح لناظري نور الهدى في ليال للضلالة مدلهمة يريد الحاسدون ليطفئوه ويأبى الله إلا أن يُتمه لكن الشهرة التي نالتها رباعياته الفارسية طغت على شعره العربي، فترجمت هذه الرباعيات إلى لغات عدة، في الشرق والغرب ولا يزال الدارسون مولعين بشعره ترجمة ونقداً. وكما يؤكد محمد صالح القرق بأن الشاعر اشتغل بالعبادة بعد أن حجّ البيت الحرام. وذات ليلة صلى العشاء، ودعا في سجوده قائلاً «اللهم إني عرفتك على مبلغ إمكاني فأغفر لي، فإن معرفتي إياك وسيلتي إليك». وأكد البكار: لم يفكر أحد ممن عاصروه في جمع رباعياته إلا بعد رحيله بثلاثة قرون ونصف. ولعلهم كانوا يخشون جمعها لما حوته من جرأة وحكمة. وأول ترجمة للرباعيات كانت للغة الانجليزية وظهرت عام 1859. ثم توالت الترجمة العربية لهذه الرباعيات. أما كتاب رباعيات الخيّام الذي قام بترجمته محمد صالح القرق، فيتميز كونه صدر بأربعة لغات: الفارسية والعربية والانجليزية والفرنسية. وقام بترجمتها من الفارسية أما الترجمات الانجليزية والفرنسية فقام بجمعها من بطون الكتب بعد أن خصص مكتبة خاصة عن هذه الرباعيات بمعظم لغات العالم. والسؤال الذي يطرح نفسه، هو: لماذا أقدم الشاعر والأديب محمد صالح القرق على ترجمة رباعيات الخيام بعد أن قام بترجمتها نحو أثنين وعشرين مترجما؟ لكن الأمانة العلمية التي يتحلى بها جعلته يضمن كتابه صور المترجمين الذين سبقوه في ترجمتها وفاءً لما قدموه، بروحية العالم. وأكثر من ذلك، يفضل ترجمة على أخرى، ويبّرر أسباب تفضيل هذه الترجمة على تلك من باب التدقيق والتمحيص والنقد في تعريف دقة ترجمة المعاني وروحيتها التي تظهر في ثنايا كل نص حسب قدرة المترجم على ترجمة المعاني التي أجادت بها رباعيات الخيام. هل كان غير مقتنع بهذه الترجمات أم أراد أن يقدم ترجمته الخاصة؟ يعترف المترجم، الذي لا يضع نفسه بين صفوف المترجمين المحترفين، بأن أفضل من قام بترجمة هذا العمل الأدبي الزاخر هو عبد الحق فاضل وأحمد الصافي النجفي. ولعل أهم ما قام به المترجم هو مقارنة الترجمات وتفسير فهم كل مترجم للنص الأصلي. وهذا ما احتواه الكتاب من مقاطع متكررة من ترجمات عديدة للقصيدة نفسها، بترجمة أحمد رامي، وعبد الحق فاضل، و غيرهما. ومن خلال هذه المقارنات يجد المترجم الشاعر نفسه الخاص في تذوق قصائد الخيام تذوقاً شعرياً قريباً إلى النص الأصلي بحيث لا توجد كلمة في النص الأصلي إلا وترجمها وصاغها صياغة شعرية قل نظيرها في سلاستها وروحيتها وانفعالها. وأجمل ما قام به المترجم هو تقسيم الرباعيات إلى قافيات الحروف الأبجدية، مما يسهل على القارئ عملية اختيار القصائد. واختتم الدكتور يوسف بكار مقدمته للرباعيات قائلاً: من جماليات هذا الكتاب حرص المترجم على تزيين هذه الترجمة بلوحات تراثية إضافة إلى طوابع بريدية أصدرتها إمارة دبي في ذكرى عمر الخيام في بداية الستينات من القرن الماضي. وقد أخذت هذه الرسوم من إحدى طبعات الترجمات الانجليزية للرباعيات. ترجع شهرة عمر الخيام إلى عمله في الرياضيات حيث حلَّ معادلات الدرجة الثانية بطرق هندسية وجبرية. كما نظم المعادلات وحاول حلها كلها، ووصل إلى حلول هندسية جزئية لمعظمها. وقد بحث في نظرية ذات الحدين عندما يكون الأس صحيحاً موجباً، ووضع طرقاً لإيجاد الكثافة النوعية. ولم يبرع الخيام في الرياضيات فحسب، بل برع أيضاً في الفلك. وقد طلب منه السلطان «ملكشاه» سنة 467ه/1074م مساعدته في تعديل التقويم الفارسي القديم. ويقول «سارطون» إن تقويم الخيام كان أدق من التقويم الجريجوري. رغم شهرة عمر الخيام بكونه شاعرا فقد كان من علماء الرياضيات في عصره، واشتهر بالجبر واشتغل في تحديد التقويم السنوي للسلطان «ملكشاه» ، والذي صار «تقويم فارسي- التقويم الفارسي» المتبع إلى اليوم. وهو أوّل من اخترع طريقة «حساب المثلثات» و«معادلات حدودية کالمعادلة من الدرجة الثالثة = معادلات جبرية من الدرجة الثالثة» بواسطة قطع ال« مخروط» ، وهو أول من أستخدم الكلمة العربية «شي» التى رسمت في الكتب العلمية الإسبانية (ظف؟) ومالبثت أن استبدلت بالتدريج بالحرف الأول منها «ٍّ» الذي أصبح رمزاً عالمياً للعدد المجهول، وقد وضع الخيام تقويما سنوياً بالغ الدقة، وقد تولى الرصد في مرصد «أصفهان» . ترك عمر الخيام عدة مؤلفات في الرياضيات والفلسفة والشعر، وأكثرها بالفارسية. أما كتبه بالعربية فمنها: «شرح ما أشكل من مصادرات كتاب أقليدس» ؛ «الاحتيال لمعرفة مقداري الذهب والفضة في جسم مركب منهما»، وفيه طريقة قياس الكثافة النوعية؛ «رسالة في الموسيقى».