كتاب جديد يتناول انتهاء اسطورة الجيش الذي لا يقهر
Feb ٠٤, ٢٠٠٩ ٠٥:٠٣ UTC
أكدت بعض الدراسات التي تناولت سير العمليات العسكرية للجيش الصهيوني في عدوانه الاخير على قطاع غزة
أكدت بعض الدراسات التي تناولت سير العمليات العسكرية للجيش الصهيوني في عدوانه الاخير على قطاع غزة، أن هذا الجيش يعاني من خلل بنيوي وتنظيمي، وأنه باستخدامه للطيران، والمدفعية البعيدة بحرا وبرا، أعفى جنوده من مواجهات برية كانت غير مضمونة فيما لو توغل داخل القطاع. والواقع، أن العدوان على غزة، لم يستطع لملمة سمعة الجيش الصهيوني، رغم تشدق المسؤولين الصهاينة بالانتصار، وأنهم في عدوانهم استطاعوا تحقيق الاهداف التي سبق وأن أعلنوا عنها، وهي أهداف تغيرت ولفها الغموض مع استمرار العدوان، خاصة وأن الهدفين الرئيسيين للعدوان بحسب المسؤولين الصهاينة كانا: وقف اطلاق الصواريخ، والقضاء على حركة حماس، وهذا لم يتحقق. في كتاب صدر بعد العدوان الصهيوني على لبنان، أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت كتابا جديدا للمؤلف عدنان أبو عامر الجديد يحمل عنوان "ثغرات في جدار الجيش الإسرائيلي"، حيث سلط الكاتب الضوء على العيوب والمخاطر التي يعاني منها الجيش الصهيوني الذي لطالما احاط نفسه بهالة مفتعلة، تقول انه الجيش الذي لا يقهر. يتناول الكتاب أبرز الإخفاقات العسكرية الصهيونية في الحرب الأخيرة على لبنان من وجهة نظر الصهاينة أنفسهم، حيث هنالك صورة مختلفة لا تمت الى الدعاية المعتادة عن ذلك الجيش. يوثق الكاتب الاخفاقات تلك، معتمدا على مراجع صهيونية معززة بالارقام والوثائق، بدأ بالتعريف بمؤسسة الجيش الصهيوني، مستهلا بلمحة عن نشأة الجيش الصهيوني الذي قام سنة 1948 على أنقاض العصابات الصهيونية المسلحة، وعن فكره العسكري المعتمد على أساس الدفاع عن حدود إسرائيل، ونقل المعركة إلى أرض العدو، والاعتماد على قوته الاستخبارية وتفوقه العسكري، قبل الانتقال الى الحديث عن هيكلية الجيش، بفروعه وأقسامه. كما يسلط الكاتب الضوء على وحدات الجيش العسكرية بأقسامها وأدوارها، بما في ذلك أجهزة الاستخبارات العسكرية والاخفاقات التي ارتكبتها هذه الاجهزة، خاصة في العدوان الاخير على لبنان، وكذلك يفرد مساحة للحديث عن أسلحة البر والطيران والبحرية، والصناعات العسكرية، والتطور الذي يهدف للحفاظ على التفوق العسكري، وعن عبء الميزانية ، التي تستهلك 30% من ميزانية الدولة، خاصة وان الجيش، لطالما رفع سقف التهديدات الامنية كوسيلة ضغط للحصول على ميزاني يتهم بتبذيرها، ميزانة بلغت عام 2007 حوالي "12.5" مليار دولار، لا تخضع في الكثير من بنود انفاقها لاية رقابة، باعتبار ان هنالك بنودا سرية. أما فيما يخص الافراد الذين يلتحقون بالجيش، يكشف الكاتب أن الكيان الصهيوني ربما هو الوحيد في العالم، الذي فيه الخدمة العسكرية إلزامية للرجال والنساء، ومع ذلك، فإن أكثر من 40% من المجندين لا يستكملون مدّة خدمتهم، لأسباب مختلفة، وهو ما ينعكس سلباً على قدرات الجيش، منها ما يتعلق بتزايد نفوذ الصهاينة المتدينين، والتمييز ضد النساء، وتراجع الدافع للخدمة العسكرية من القتال من أجل البقاء إلى تحقيق مكاسب شخصية. الاستاذ أبو عامر، يستعرض في الفصل الثاني، الإخفاقات العسكرية والاستخبارية للجيش الصهيوني، بادئا من حرب أكتوبر 1973، ثم انتفاضتي الشعب الفلسطيني عام 1987 و 2000، وما حققتاه من إنجازات، أثبتت فشل الجيش الصهيوني في ردعها على الرغم من الممارسات التي تصنف جميعها في خانة جرائم الحرب ، والتي فضحت حقيقة العنصرية الصهيونية بشكل لا لبس فيه. وفي الدروس التي خرج بها الجيش الصهيوني خاصة من الانتفاضتين وبحسب الكاتب، أنه لا يوجد حل عسكري للصراع العربي الصهيوني، وأن الاحتلال لا يمكن أن يستمر للأبد، معددا "أي الكاتب " الأخطاء التي ارتكبها الجيش، سياسياً وتنظيمياً، في تعامله مع الانتفاضتين، معدداً الخسائر التي ألحقتاها بـالكيان والتي كان من نتائجها الانسحاب من قطاع غزة ، هذا الانسحاب الذي عزز فقدان الشعور بالامن لدى الصهاينة، وان جيشهم لم يهد قادرا على فعل الكثير. يتطرق الكاتب ايضا الى إخفاقات الجيش الإسرائيلي أمام حزب الله، خاصة في حرب لبنان الثانية فيقول: سياسياً: فشلت المراهنة على عملية سياسية في لبنان تضعف مكانة حزب الله الداخلية، ومن الناحية الاستخبارية، أخفقت أجهزة الاستخبارات في جمع معلومات عن قوة حزب الله العسكرية، وحجم استعداداته، أمّا على الصعيد العسكري، فقد كشفت الأحداث عن عدم استعداد الجيش الإسرائيلي للحرب، من ناحية التجهيزات والتدريباتوكل هذه الامور وردت في تقرير فينوغراف المتعلق باخفاقات الجيش في عدوانه على لبنان عام 2006. ميدانياً: شكل اعتماد الجيش على سلاح الجو خطأ فادحاً، كما جرى الحديث عن فشل أداء القيادات العسكرية في ساحة الحرب، ذلك أن القيادة الإسرائيلية لم تكن تملك رؤية واضحة عن حجم وشكل وأهداف حربها على لبنان، هذه الإخفاقات، أضعفت الروح المعنوية للصهاينة داخل الجيش وخارجه، مما دفع المسؤولين الصهاينة الى الوقوف طويلا امام ما حدث، في محاولة تقييمية استمرت اكثر من عامين. وقبل ان يختتم الكاتب الفصل الثاني، يؤكد بحسب رايه، أن الجيش الصهيوني بات يعاني من جمود وتخلف الذهنية العسكرية، ومن تراجع عدد الجنود وساعات الخدمة، كما أن استمرار المواجهة بين الجيش والمقاومة لعقود، أدّى إلى حالة إحباط لدى الصهاينة، مستشهدا بكتابات صحفية لمحللين صهاينة، نشرت على مدى السنوات الاخيرة. في الفصل الثالث ، يناقش الكاتب التحول الذي طرأ على الجيش، حين تحول من جيش حربي يدافع عن حدود الدولة، إلى شرطة قمع تمارس أبشع السلوكيات لقمع الانتفاضة والتنكيل بالمدنيين، الأمر الذي أضعف من قدرات الجيش كقوة مقاتلة في ساحات الحروب، مبرزا الجرائم الصهيونية التي كانت ترتكب بحق الفلسطينيون من خلال اعترافات الجنود الذين ارتكبوها. وحول مظاهر التفكك في الجيش الإسرائيلي، فهو يسوق من الثغرات الأمنية كحوادث سرقة السلاح من القواعد العسكرية، وإهمال المركبات العسكرية والأسلحة، ثم تراجع ثقة المجتمع الصهيوني بالجيش، وأزمة الثقة الداخلية بين القادة والجنود، فضلاً عن تزايد حالات التمرد والأمراض النفسية والانتحار بين الجنود، مشيرا الى ان هذه الظواهر أجبرت هيئة الأركان، على البحث عن صيغ لحل هذه المشاكل، محاوِلة إعادة الانضباط الصارم للجيش، ووقف القطيعة السائدة بين بعض القادة، وزيادة التدريبات العسكرية، وإعادة الثقة والاعتزاز بالجيش، وإبعاد الجيش عن التجاذبات السياسية. كما يبحث الكاتب في ظاهرة رفض الخدمة العسكرية في الجيش التي اصبحت تشكل خطراً لوصولها إلى الوحدات النخبوية في الجيش، وظهورها إعلامياً، وارتفاع نسبة المتهربين من الخدمة إلى 25% سنة 2007، ولهذا، يقوم المسؤولون ولمحاربة هذه الظاهرة، بتخوين الرافضين للخدمة ومقاضاتهم، وإعادة المكانة المعنوية للجيش في المجتمع، خاصة وأن حركة رفض الخدمة باتت تلاقي تأييداً واسعاً لدى قطاعات الرأي العام والجمعيات الأهلية والشخصيات الاعتبارية، مختتما الفصل الثالث ببحث العلاقة المتوترة دوما بين الجيش والمستوى السياسي. ولكن وبالرغم من وجود وسائل رقابة رسمية للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية على الجيش، كلجنة الخارجية والأمن في الكنيست، ومجلس الأمن القومي وجهاز المحاكم، وكذلك لجان تحقيق ساهمت في رسم حدود السلطة السياسية على الجيش، الا ان الجيش، ظل يملك التاثير الاكبر في القرارات السياسية، خاصة وان معظم من تولوا المنصب الاول في الكيان" رئاسة الوزراء"، كانوا من جنرالات الجيش. يركز الكاتب في هذا الفصل، على التهديد الذي يعتبره الكيان تهديدا استراتيجيا، الممثل بالمقاومة، سواء في فلسطين او لبنان. وبحسب الكاتب، فإن المقاومة نجحت في بناء تنظيمات عسكرية زعزعت الأمن الصهيوني، وبعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، بات الصهاينة يخشون من تحول المقاومة إلى جيش قوي مسلح يهدد وجود كيانهم خاصة مع ظهور سلاح الصواريخ، الذي يرون فيه خطراً إستراتيجياً إذا انتقل إلى الضفة الغربية. ومن التهديدات الخارجية ايضا، تهديد حزب الله، الذي ما زال يشكل خطراً على الكيان الصهيوني بسبب انتصاراته وعدائه المستمر مع الكيان، وما يملكه من صورايخ تصل لعمقها، وتحالفه مع خصومه سوريا وإيران. وقد ساد إجماع في أوساط الصهاينة بفشل الحرب الأخيرة على لبنان وشراسة مقاتلي حزب الله، الذين كبدوا الجيش الصهيوني، والداخل ايضا، خسائر فادحة. أما عن ما يسميه "قوس التهديدات" المحيط بإسرائيل، فيتمثل بحسب رأيه، في التهديد النووي الإيراني، والتهديد السوري، وما تمتلكه الدول المجاورة من صواريخ يمكن أن تستخدم لضرب العمق الصهيوني، كما يتحدث الكاتب عن خطر"الجهاد العالمي" الذي يرى الكيان الصهيوني كأحد أهدافه. ورغم تشخيص هذه التهديدات من قبل المسؤولين الصهاينة، الا انهم لم يستطيعوا وقف تراجع قوة الردع الإسرائيلية؛ فعلى مدى عقود، نجح الكيان الصهيوني على فرض نفسه كقوة عسكرية كبرى ردعت الجيوش العربية عن قتالها، ولكنها فشلت في ردع منظمات المقاومة، بسبب سلسلة الإخفاقات التي أصابت قواتها، وهشاشة قدرتها الداخلية على الممانعة، وتآكل قدرتها العسكرية، وعجزها حتى الآن عن استعادة هيبتها. يرى الكاتب، أنه على الرغم من ان الكيان الصهيوني، ينتج 12% من السلاح العالمي، إلا أنه يتلقى مساعدات عسكرية ضخمة من الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن الدعم المادي، والاقتصادي، والسياسي، والاستخباري، متطرقا الى التحالف الاستراتيجي والمصالح المشتركة، إضافة إلى تأثيرات اللوبي الصهيوني على القرار الأمريكي. وفي الخاتمة، يرى الكاتب إنه رغم التقدم العسكري الذي شهده الجيش الصهيوني في قواته وتسليحه وإمكاناته اللوجستية ومحافظته على قوة متفوقة على دول المنطقة مجتمعة، فإن هذا التقدم ترافق مع تراجع في الإرادة والعزيمة التي تحرك كل هذه القوات والجنود، الأمر الذي شهدت به عدة جبهات حربية في فلسطين وخارجها.