ترجمة ديوان الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا إلى العربية
Feb ١١, ٢٠٠٩ ٠٠:٤٦ UTC
صدرت حديثاً للشاعر البرتغالي الشهير فيرناندو بيسوا (1988 ـ 1935) الترجمة العربية لواحد من أهمّ أعماله الشعرية الموقَّعة باسمه
صدرت حديثاً للشاعر البرتغالي الشهير فيرناندو بيسوا (1988 ـ 1935) الترجمة العربية لواحد من أهمّ أعماله الشعرية الموقَّعة باسمه الحقيقي ديوان الأغاني"، الذي ظل بيسوا على مر سنوات يُغذّيه بالقصائد تلو القصائد، أغلبها موزون ومقفّى، وزاد عليها مترجمها الشاعر المغربي المهدي أخريف "قصائد أخرى" من الأعمال المنسوبة للشاعر بيسوا نفسه، من ذلك "هوامش على قصيدة درامية من فاوست" و"مطر مائل" و"فصول عن المومياء"، عدا مسرحيّته من فصل واحد "البحّار". وإذا كان العمل يؤرخ قصائد بيسوا الثلاثينية التي طبعتها السوداوية وقوّة التعبير، فإن حوارّته "البحّار" المكتوبة عام 1913، مثلت في الواقع بداية حقيقية ومدهشة لحداثته المتفردة، التي انطلقت شراراتها الكبرى ابتداء من 8 مارس 1914، حين شهد ذلك اليوم التاريخي والاستثنائي ميلاد أنداد بيسوا أجمعهم في جلسة واحدة طويلة، كاييرو وريكاردو رييس وألبارو دي كامبوس وهم يؤلّفون، بالتوالي، قصائد "راعي القطيع" و"أناشيد" ثم "نشيد الظفر". لكن مجلة "أورفي"، ذات العددين اليتيمين، التي نُشِرت بها معظم هذه القصائد، وقصائد مُجايليْه ماريو ساكارنيرو وألمادا نيغريروس هي الّتي عرّفت بنتاج بيسوا وأنداده، بقدرما فجّرت الحداثة الشعرية البرتغالية، حتى وإن أثارت ردود فعل عنيفة في الصحافة من قبل مجتمع الأدب المحافظ والرسمي، إلى حد أن نُعِت ما تنشره المجلة بـ"أدب مستشفى المجانين" و"أحطّ درجات الانحطاط الشعري". بيد أن بيسوا، بعد معاناته تقلبات وأحداثا عصفت بحياته وتركت نُدوبها اللّامعة في نصوصه، وسنوات من الصمت في أشعاره وأشعار بعض أنداده، سوف يعثر في النهاية على مخاطبين، متأخراً جدّاً كما هي العادة، بعد أن التأم جماعة من النقّاد الجدد للتعريف بأدبه في مجلة "حضور"، ابتداء من عام 1927. ولم تتفتق موهبة بيسوا وتنْشُط مخيّلة عن أقصاها إلّا في سنوات عمره الست الأخيرة، لمّا دفع بنتاجه الشعري إلى ذروته، واقترح مشاريع كتابيّة لا تزال مثار جدالٍ حتّى اليوم، بما في ذلك "كتاب اللّاطمأنينة" المنسوب إلى برنارد سوارش. ولا نعرف إن كان بيسوا يتوقّع كل المجد الذي حازه مشروعه الشعري، وبزّ به كثيراً من شعراء الأرض الأفذاذ، وهو يكتب بيتا شعريا له قبل يوم واحد من وفاته 30 نوفمبر 1935: "لا أعرف ما سيأتي به الغد لي!" إنّ المتأمّل في "ديوان الأغاني" يكتشف خصوصية الكون الشعري عند بيسوا، ودرجة تعبيره المتوتّرة والصادمة عن رؤيا شعريّة تستبطن ذات الشّاعر بطباعها المتقلّبة، والعالم بأشيائه ومفارقاته المتنوّعة، الّتي يصدع بها في شذراتٍ يُنادي فيها الشعر على التأمُّل والوساوس الميتافيزيقية، بمقدارنا ما تؤذينا كثافتها المضيئة في الصميم. على قصائد الأغاني تطغى لهجةٌ حادّة وضدّية وشكّاكة كأنّ لا هوية لها. في دليلها الأبيض، تسبح بلا نهاية، ولا مرجع يدمغ شهادتها إلّا رَجْع من صدى العدم. إلى ذلك، نعثرعلى شعورٍ فاجعٍ يهجع في المتخيَّل الّذي يتكلّم السآمة والضجر واللّعنة، ثمّ يترك الشذرات تستسلم من تلقاء بنائها لميتافيزيقا الغياب، الّتي تسندها هشاشة الذّات التي تُداري خيباتها بسخريّة سوداء، وبفائض معنى جريح يستدعي ذواتاً وأقنعة مختلفة لا تُحدث في الأغاني بحمولتها الرومانسية إلّا تكريساً لمنطق الهذيان والجنون والانتشاء بـ"دوران الرّيح". مختارات من ديوان بيسوا: هكذا عندما كنتُ شابّاً، كنت أقولُ لنفسي: كيف تمْضي الأيّام، يوماً بعد يوم، بدونِ أنْ تَحصُل على شيء أو تُحاول الحصول على شيء! لكنّني، وأنا كبير، بنفس الغيْظ أقول: كيْف، يوماً بعد يوم، لم يفْعل الجَميع شيْئاً، ولا شيء يُنْوى فعله. هكذا، طبعا، وأنا شَيُخٌ، سأقول بنفْس الصوت ونفس المَعْنى: ذات يوم سيَأتي اليوم الذي لن أقول فيه شيئا. من لم يكن شيئاً ولا هو بشيء لن يقول أي شيء. زمن بعيد أيَّتها الموسيقى الفقِيرة القديمة! لا أدري أيّ فرح يملأُ نظري العاطل بالدموع! أتذكَّر استماعاً آخرَ لكِ. لا أدري إنْ كنت سمعتُك في الطفولةِ التي تُذكِّرنِي بك. بأيِّ الْتِياع مُغْتاظٍ أهوى ذلك الزمن البعيد! هل كنْتُ سعيداً؟ لا أعلم: في زمنٍ قدِيم كنْتُ الآن. في غضون ذلك خَرير مياهٍ أريدُ، خرير مياه وحسْبُ، جنْبَ نومةٍ، أحمل نُعاساً، أحزاناً أحملُ معي ما لا أريد. وكما لم أحبَّ شيئاً ولا فعلتُ شيئاً، كذلك أبغي أن أستريح من لا شيء غداً سأكون سعيداً إن وُجِد طريقٌ غداً في غضون ذلك، في نُزْل عَدم انشغالي بي، سيجعلني النسيم أستمتع بأزهار بستانٍ آخر. في غضون ذلك، في غضون ذلك، في غضون ذلك لا أعرف ما.. مسكينة يا روحي، تبكين بلا دموع وتسمعين كمَنْ يرى. مُذْ ولدت منبوذٌ أنا في ذاتي حبسوني مُذْ ولدتُ آه، لكنّني لُذْتُ بالفرار. إنْ كان الواحد يضجر من المكان ذاته فكيف له من كونه واحدا ً ألّا يضجر؟ روحي تبحثُ عنّي لأنني أسير كمثل أمير ليتها لا تعثُر أبداً عليَّ كوني واحداً قَيْدٌ كوني أناي عدَمُ كينونة هارباً سأحْيا لكن حيّاً بذلك سأكون. بإشارات نبيلة منْ أعماق نهايات العالم أتوني سائلين: أيّ رغبة عميقة في الحياة دفعتني إلى البكاء؟! قلتُ أنا: ما حاول الشُّعراء تقديمه في أعمال لا مكتملة على الدوام فيها وَضَعوا كينونتهم هكذا بإشارة نبيلة، أجَبْتُ مَنْ لَسْتُ أدري