صدور كتاب يضم نصوصاً لأدونيس ومحمود درويش بفرنسا
Mar ٠١, ٢٠٠٩ ٠٧:١٣ UTC
زار الشاعر السويسري بالفرنسية فيليب جاكوتي عام 2004، مواقع أثرية مهمة في لبنان وسورية تركت أثراً بالغاً فيه
زار الشاعر السويسري بالفرنسية فيليب جاكوتي عام 2004، مواقع أثرية مهمة في لبنان وسورية تركت أثراً بالغاً فيه، كما يشهد كتابه الصادر حديثاً لدى دار «فاتا مورغانا» الفرنسية تحت عنوان «نارٌ هادئة»، والذي يتضمّن نصوصاً نثرية جميلة استوحاها مما رآه وشعر به أثناء تجوّله داخل هذه المواقع، وتتخللها قصائد لهولدرلين وناديا تويني وجورج شحادة وبول فاليري وفؤاد غبريال نفّاع وأدونيس ومحمود درويش وصلاح ستيتيه وبدر شاكر السيّاب. تجدر الإشارة أولاً إلى أن جاكوتي تردد كثيراً قبل جمع هذه النصوص ونشرها في كتاب نظراً إلى طبيعتها المناقضة للأحداث الدامية التي شهدها لبنان وللواقع المأسوي الذي تتخبّط فيه منطقتنا. ولكن في مقدّمته لهذا الكتاب، يشير إلى الأمر الذي بدّد حيرته على النحو الآتي: «ما أتحدّث عنه برعونة هنا يشكّل أيضاً جزءاً من الواقع، أي ديمومة كل أشكال الجمال والصداقة وحسن الضيافة والكرم والبركة، إلى جانب لحظات السكون العميق والتبادلات الحقيقية والانقشاع الأكيد بقدر الغيوم السوداء العاصفة. ولا أقصد بعنادي على التقاط هذه العلامات وجمعها في كتيّب، ومن دون ادّعاء، التغاضي عن محنة هذين البلدين بل الاحتفاء بهما والتخفيف من اليأس الذي يشدّنا إليه حالياً كل شيء فيهما». محطّة جاكوتي الأولى كانت بيروت، بعد ذلك، ينتقل إلى آثار مدينة صور القديمة فيصف مدخلها الطويل بأعمدته المرصوفة على الجانبَين ونواميسها الجميلة وميدان الخيل فيها الذي يتّسع لعشرين ألف متفرّج، قبل أن يقول: «في أمكنة مثل هذه، كما أمام جميع الآثار الكبرى القديمة، يتأمّل الحالمون الكئيبون الكبار، على غرار شاتوبريان، في غرق الأمبرطوريات البطيء». ومن صور، ينتقل الشاعر إلى بعلبك فيقول: «عرفتُ أن هنا كان حضور روما، ولكن بمقاييس ضخمة لم أرَ معادلاً لها إلا في مصر. روما، أي مسألة إرساء وتعظيم سلطةٍ بالقوة، وإرادة فرض احترام، أو حتى رعب، سيّد أرضي أكثر مما هو سماوي، أو الاثنين معاً. لكنّ كل هذه الآثار مثيرة للإعجاب، وربما أكثر من صرح «الأكروبول» اليوناني. يتملّكنا شعورٌ خفي بالفخر لفكرة أن الإنسان استطاع في زمنٍ ما تشييد مثل هذه الصروح وأنها دامت، وإن في حالة أنقاضٍ، فارضةً حتى اليوم مقاييسها الضخمة على الفضاء الطبيعي ومحرِّرةً موسيقى سامية وساكنة من الحجارة وفقط منها». وعن أعمدة المدينة، يقول: «توقّع الفضاء بقوة وسكون وتفرض ذاتها عليه من دون أن تغلقه، وتحمل عالياً أعلى من أي مكانٍ آخر أشكال الأزهار والنباتات المنقوشة عليها». ويختم قائلاً: «ما شعرتُ به بارتباك أمام هذه الأعمدة يشبه كثيراً الانطباع الذي تحدّثتُ عنه يوماً بخصوص صفٍّ من أشجار الحَور العالية، أي أنها مثل مصفاةٍ للهواء، مع فارق أن في بعلبك لم يكن هنالك أي ارتجاف أو حفيف والمقاييس كانت أكبر بكثير. إذاً ماذا؟ بدلاً من المصفاة، قيثارةٌ ضخمة من حجر، أو آلةٌ موسيقية ذات فواصل من هواءٍ، أو من نورٍ... لعزف عالياً مجد الملوك». وبعد بعلبك، يتوقف جاكوتي في مدينة حماة السورية فيستحضر ما قاله فيها الكاتب ابن جُبَير والرحّالة ابن بطوطة قبل أن يصف بنفسه نواعيرها الخشبية التي شُيّدت في القرون الوسطى وصوت دورانها «الذي يعود بنا إلى زمن الحكايات الأكثر قدماً». وفي دمشق، وبعد استشهاده بما قاله ابن جُبَير فيها. يصف الشاعر أسواق المدينة الصاخبة وأصوات باعتها التي تتوارى ما أن نبلغ الساحة الصغيرة التي تطل على واجهة المسجد الأموي الجنوبية و «التي تمنحنا نوعاً من الهدنة وتخلّف فينا ذلك التباطؤ في دقّات القلب الذي يمكن أحياناً للموسيقى أن تحدثه في نفس المصغي إليها بكل كينونته». وبعد وصفٍ دقيقٍ وجميل للمسجد، يقول الشاعر: «يطغى (داخله) نوعٌ من الطمأنينة السعيدة التي لم أعثر عليها في أي كنيسة، ربما بفضل السجّاد الجميل المنتشر في كل مكان كدعوة إلى الصمت والراحة». وفي موقع تدمر الذي استرسل في وصف عظمته، يحذّرنا جاكوتي في البداية قائلاً: «يتربّص الشعر المزّيف بنا ما أن نزور مكاناً جميلاً. وهذا المكان أجمل من أمكان كثيرة أخرى». ثم يضيف: «المدهش هنا هو المقياس الذي يفرض ذاته، وإن في شكل مجزّأ، على الصحراء. يفرض (هذا الموقع) ذاته كي يطغى على الصحراء أولاً، ولكن أيضاً، وكما نرى ذلك اليوم، كي يسمو بها، هو العاقر الذي لا يبدو حاضراً إلا لمحي آثارنا، إلى نوعٍ غير منتظَر من الإزهار الذي وحده عمل الإنسان قادر عليه». وعن مقابر هذا الموقع، يقول: «كما لو أننا نسير في عالمٍ من الأشباح، لكن، أشباح من نوعٍ نبيل جداً ونقي إلى حد نتردّد في إزعاجهم بمكوثنا طويلاً قربهم». محطة الشاعر الأخيرة قبل أن يقفل عائداً إلى بيروت كانت «المدن الميتة» القريبة من مدينة حلب التي تعود إلى القرن الخامس والسابع الميلاديين، والتي شكّلت السبب الرئيسي في قبول الدعوة لزيارة منطقتنا. ومن هذه المدن البارا «التي لم يبق منها أي شيء تقريباً»، وسرجيلا حيث «أنقاض المدافن والكنائس والبيوت التي شيّدت بحجارةٍ ضخمة»، وقلب لوزة حيث «النظر يتوه داخل نورٍ قاسٍ من شدّة سطوعه وقوي كالحجارة»، وقلعة سمعان الناسك الذي تقول الأسطورة إنه استقر حتى وفاته على قمة عمودٍ هرباً من الناس الذين كانوا يحجون إلى صومعته، ومن هذا العلو وعظ زوّاره وأمبراطور بيزنطيا نفسه. وأوحت هذه المدن إلى جاكوتي أسئلة يقر بأنها تتجاوزه وفي نهاية الفصل يسرّ الشاعر بأن تأمّله هذه الآثار أيقظ فيه «القدرة على مقاومة الانحطاط بكل أنواعه» الذي يهدد حياة الإنسان المعاصر في الغرب.