حوار مفتوح حول ماهية الشعر في اتحاد الكتاب في أبو ظبي
Nov ٣٠, ٢٠٠٤ ١٧:٠٠ UTC
يبدو أن فتح باب النقاش حول (ماهية الشعر) بغرض الوصول إلى نقطة يتفق عليها الجميع نوع من أنواع العبث، بخاصة إذا كان طرفي النقاش شاعران ينتمي كل منهما إلى جيل مختلف، إلا أن نقاشاً مثل هذا كان كفيلاً بفتح آفاق واسعة لتبادل الرؤى والأفكار حول الشعر والكتابة والإبداع، وهو ما سعى إليه نادي الشعر في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في جلسته التي انعقدت مساء أمس الأول في مقر الاتحاد في أبو ظبي، تحت عنوان رئيس: (ماهية الشعر) استضافت للحديث حوله شاعرين لكل منهما تاريخه المعروف: الشاعر والمترجم السوري علي كنعان الذي ينتمي إلى الجيل الثاني من أجيال ريادة الشعر العربي المعاصر، وزمنيا جيل الستينات، والشاعر والمترجم المصري محمد عيد إبراهيم الذي يعد واحداً من أبرز الأصوات الشعرية التي أُطلق عليها تمييزاً لها داخل المشهد الشعري المصري جيل السبعينات. وجدير بالذكر أن الفارق ما بين جيلي الستينات والسبعينات العربيين من القرن الفائت أكبر بكثير مما يمكن تسميته بالتطور الطبيعي للأشياء، فما بينهما هو سقوط وهزيمة وموت وانكسارات كان لها أثرها الأكثر عمقاً على تكوين الإنسان العربي حتى اليوم، ومن هنا جاءت ميزة اللقاء.
تضمنت الجلسة التي أدارها كاتب هذه السطور المشرف على نادي الشعر في الاتحاد، فقرة موسيقية الملحن وعازف العود الفنان أسامة الشيخ ادى فيها.
استمع الحضور بعد ذلك لقراءتين لقصيدتين للشاعرين الضيفين أعقبتها قراءات شعرية مختارة من أعمال أعضاء النادي، منها قصيدة (شهر الصيام) لغالب أحمد مصري، وقصيدة من أسعد القصرواي، ثم قرأت الشاعرة البحرينية منال العنزي واحدة من قصائدها النبطية المميزة.
افتتح الشاعر علي كنعان الحديث في محور اللقاء مؤكداً رؤيته للشعر باعتباره "روح الأمة"، وقال: أنا واحد من الشعراء الذين ينتمون إلى جيل ما بعد الريادة بالنسبة للشعر العربي المعاصر، وهذا الجيل أستطيع أن أصفه بأنه كان كالموجة المحتارة، كان سؤالنا: كيف نكتب الشعر؟، وهاجسنا: كيف نقترب من الجماهير بشعرنا، ونتواصل معهم؟ وكان كل شاعر يبحث للسؤال عن إجابة بطريقته، وأضاف كنعان: على مستوى تجربتي الخاصة، حيث أميل إلى السخرية، تساءلت: هل يستطيع الشعر أن يكون معادلاً للكاريكاتير، وسعيت إلى التبسيط والميل نحو السخرية من الأشياء بهدف توضيحها، وفي هذه الفترة كتبت نصوصاً على هذا المبدأ أذكر منها (الأميرة براقش) والكل يعرف أن براقش هذه كلبة جنت على أهلها كما يذكر المثل العربي، وقال: إلا أنني اكتشفت خلال رحلتي مع الحياة والشعر أن السخرية والتبسيط ليسا كفيلين وحدهما بخلق النص، وأن الشعر بلا فنية ولا جماليات هو إساءة للشعر، فتغيرت وجهتي وطريقتي في الكتابة وفقاً لهذه القناعات الجديدة.
الشاعر محمد عيد إبراهيم بدأ حديثه بالإعلان عن أن موقفه هو على الطرف النقيض من الشاعر علي كنعان، وقال: امتلأ جيل الستينات الذي ينتمي إليه الشاعر علي كنعان بالأحلام الكبرى والأفكار الثورية، نحن جئنا في السبعينات مع انهيار كل هذه الأحلام والقضايا، ذلك الانهيار الذي استمر منذ ذلك الوقت حتى مأساة العراق الأخيرة، والتي أعتبرها نتيجة طبيعة لخطاب الجعجعة العربية. وقال محمد عيد: في اعتقادي أنه لا مكان للشعر بين الشعارات ولا في الواقعية، ولا يمكن له أن يستمر في إدعاء الدور الإعلامي والدعائي الذي لعبه منذ الجاهلية وحتى فترات متقدمة في العصر الحديث مع تطور انتابه ليصبح بوقاً دعائياً للدولة والنظم التي كانت شبه ثورية وشبه خائنة، لأنها تسببت في نهب ثروات شعوبها ومستقبلهم بدرجة تقل أو تزيد عن الاستعمار نفسه، عشنا نحن فترة انهيار كامل ابتدأ بالصلح مع "إسرائيل" ولن ينتهي الآن مع مصيبتنا في العراق، وأضاف: وسط كل هذا لم يعد للشعر سوى مكان ضيق جدا،ً لأن وسائل الإعلام الحديث أصبحت تنوب عن الشاعر في صنع مجاز مبهر لا يستطيعه الشعر نفسه، فالإعلام يلعب دور الخيال والمجاز القديم للشعر، وعلى كل شاعر أن يخط له دوراً جديداً أو مجالاً ينفذ به إلى العالم ويختط لنفسه مساحة وسط الشعراء.
في مداخلة له انتقل الروائي والناقد فرحان ريدان بالقضية إلى جهة أخرى حيث اعتبر أن هناك العديد من وجهات النظر المتناقضة والحدية حول ماهية الشعر، وقال: نحن شعوب خضنا ظروفاً صعبة من الطغيان، ذلك الذي لا يفسح للروح الإبداعية المجال لكي تنمو بشكل طبيعي، فتنمو شائهة، واضاف: الشعر العربي يحمل القضايا الكبرى مرغماً، فالسياب مثلاً أفقدته الأيديولوجية عصب أجنحته فجاء طيرانه خفيضاً، وغيره، ولا نستطيع أن نلوم المبدعين العرب ونحن نعرف تفاصيل الحياة التي عاشوها ونعيشها. وأضاف ريدان: التفكير بأنه من مهمة العمل الإبداعي أن يغير المجتمع هو تفكير إرهابي، هذه ليست وظيفة الفن، فهو –أي الفن- يعمل في القطاع الجمالي المعرفي المضيء والمشرق، إلا أن الفن أيضاً ينبغي عليه أن يعيش حيث يعيش شعبه، فالقضية إذن تكمن في الكيفية التي يستطيع الفن بها أن يعبر عن شعبه دون أن يمارس دور الإرهابي ضدهم.
وهنا التقط الشاعر علي كنعان خيط الكلام مؤكداً أن الشاعر لا يمكنه أن يكون كاتباً أيديولوجياً مهما كان متعمقاً، ودفاعاً عن السياب قال: السياب كان يعبر بصدق عن البعد الإنساني وليس الأيديولوجي، وأضاف: القصيدة هي التجلي الفني للمرحلة التاريخية دون تمييز بين العام والخاص، لأن التشابك بينهما شديد، لا يستطيع المبدع أن يكتب تاريخاً، وإنما يكتب التجلي الفني للمرحلة أو اللحظة التي أُنتجت خلالها القصيدة، فالقصيدة ذاكرة مشوبة بثقافة الشاعر وتأثراته، وأعتبر أن هذا الكلام يضم الشعر منذ ملحمة جلجامش وكتاب الموتى حتى آلاف السنين القادمة.
في هذه النقطة كان للشاعر محمد عيد إبراهيم رأي آخر أعلنه قائلاً:القصيدة ليست ذاكرة فحسب، فلابد لها وأن تستفيد من كل الفنون، بعيداً عن توهم أن الشعر سيد الفنون، وأن العرب سادة الشعر، فالتراث العربي يزخر بنصوص نثرية أفضل كثيراً من الشعر وأكثر رقياً، ومع تطور الفنون المذهل الحادث في العالم الآن لابد للقصيدة من أن تستفيد من كل التقنيات الفنية الحديثة لترقى معها.
متضامناً مع ما ذكره محمد عيد إبراهيم قال الشاعر علي كنعان: هنا أضع الحق على الأنظمة العربية، ومنظومات التربية والتعليم التي جعلت الفنون تتطور بمنأى عن تطور الناس وثقافتهم، وقال: كنت وما زلت شديد الدهشة من رؤيتي لطوابير الطلاب أمام المكتبات أثناء فترة إقامتي باليابان، في مقابل الفراغ الذي نعرفه في أمتنا التي بدأت حضارتها بكلمة اقرأ، وقال: صعوبة الأمر مع الشعر أنه من كلمات، وأن ميراثنا الأكبر كان كلمات، فلم ندرك أن في الحياة أشكالا أخري يمكن الاستعانة بها، و ما زلنا نعاني من مركزية هذا التراث الشعري الكبير. في حين أن قصيدة واحدة يمكن أن تجعل الشاعر عظيماً، مالك بن الريد وهو يواجه الموت، أبدع واحدة من أرقى نصوص الشعر، كما هو الحال مع جورنيكا بيكاسو التي تعبر عن حادثة رغم بشاعتها تجعل المشاهد مأخوذاً أمامها لساعات طويلة، أعني هنا أن قدرة الفن تكمن في التعبير عن البشاعة بجمال.
اعتبر الشاعر محمد عيد إبرهيم أن رؤية الشاعر علي كنعان الرومانسية هي التي تجعله يعتقد أن الشاعر يكتب عن الجمال، وقال: الجمال فلسفياً فيه أيضا قبح، وجيلي تربى منذ العام 1967 وحتى الآن على القبح، وفي تصوري أن الشاعر الحديث ليس أمامه سوى جماليات القبح، تربينا على مشاهد الدم والذبح والتنكيل والهزيمة.
الشاعر مرتضى علي عضو نادي الشعر قال في مداخلته: في اعتقادي أن الشعر كالنهر الجاري، لتحديد كنهه أو ماهيته عليك أن تحبسه، وإذا حبسته لم يعد نهراً جارياً، وهكذا، ماهية الشعر تختلف كماهية الجمال، وفي رأيي أن مسميات من قبيل رومانسي وواقعي وغيرها لا وجود لها بهذه الحدة، قد يكون الشاعر واقعياً في جزء ورومانسياً في أجزاء، فالأمر متداخل ولا نستطيع فك اشتباكه، وفيما يخص لغة الشعر والخلاف حول أنها يجب أن تهتم بتفاصيل الحياة، فقد نبعث الجمال في التفاصيل من خلال اللغة، وفي كل الأحوال لا يمكننا أن نصدر بياناً للناس به تعريف لماهية الشعر، فكثير من القصائد التي قد يراها البعض مباشرة وسطحية تحقق الفرح للناس، والعكس أيضا صحيح.
في معرض رده قال الشاعر محمد عيد إبراهيم: أنا لم أضع الشاعر كنعان في مدرسة الرومانسية باعتبار ذلك وصمة أو سبة مثلاً، فقط كنت أحاول توصيف رؤيته للعالم، هو يريد أن يرى العالم جميلاً بل قبح، والرومانسية رؤية كلية وليست مقتصرة على الشعر فقط.
وفي تداخله قال الشاعر علي كنعان: عندما يكتب الشاعر عن الطفولة، يجب أن يرى الشيء بعيون مندهشة كالطفل، مهما كان عمق تجربته، وأنا على أبواب السبعين من عمري أعود طفلا صغيرا أمام القصيدة، وحتى هذه اللحظة من عمري لا أعرف كيف تبدأ الشرارة الأولى للقصيدة لتتحول إلى نسيج كلمات، وأعتقد أنه لا يوجد شاعر يعرف كيف تبدأ القصيدة، كل شاعر له تجربته ورؤيته وروحه التي تنصهر كلها في بوتقة واحدة لتخرج القصيدة، كالنحل يصنع العسل من زهور الحنظل يمكن للشاعر أن يرى الجمال ويصنعه من القبح.
قبل أن تختتم الجلسة بلحن آخر للفنان أسامة الشيخ لقصيدة (يطير الحمام ) للشاعر محمود درويش. اثار أعضاء نادي الشعر مجموعة مداخلات تنوعت حول ما أثاره النقاش بين الشاعرين من أفكار، فدارت التساؤلات حول التراث العربي وإمكانيات تجديده على مستوى الطرح، ومدى صحة الأفكار حول أن قراءة الإبداع تنتج نصاً جديداً في كل مرة.