النص الشعري والمنفى (القسم الاول)
Aug ١٨, ٢٠٠٥ ١٥:٠٠ UTC
المنفى وتأثيره على النص الادبي والشعري خاصة، والذاكرة التي تحمل وطناً اينما ذهبنا. والشاعر عندما تنفجر على شفتيه مفردة الغربة لتتحول الى قصيدة يداري بها حزنه.
الشاعر مفيدي البلداوي ولد في 29/12/1971ميلادي وعاش في وسط فلاحي علمه على حب الارض والخضرة، واول ما فتح عينيه رأي نخلة. حصل على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة بغداد. خرج من العراق عام 1998 ميلادي معلنا رفضه لسلطة زمن اغبر احاط العراقيين وكمم افواههم. منذ عام 1986 يكتب الشعر بكل انواعه واشكاله، ويقيم الشاعر مفيد البلداوي في المانيا.
من مخطوطاته الشعرية:
سياحة على شاطئ الذاكرة، لمن غنت العصافير؟، راحيل، زراعة الارغفة، زواجل، ماجينة يا ماجينة، اخطاء السعادة، ما تيسر، طعم البرحي
المحاور: الشاعر مفيد البلداوي اهلاً بك.
الضيف: اهلاً وسهلاً اخ احمد.
المحاور: ابداً بدايه مع الشاعر مفيد البلداوي، مع قصيدة ما جينة يا ما جينة، يعني في هذه القصيدة، عند قرائتها ما لا حظته هو استحضار الطفولة من قبل الشاعر والتراث الشعبي، خاصة الرمضانية منه، ومن بعد يأتي المنفى ليلا عب الذاكرة ويدخلها في البعد الشعري، اتحدث بداية عن ما جينة يا ما جينة وايضاً مفهوم ما جينة يا ما جينة، قد يكون عند البعض غير معروف.
الضيف: شكراً اخ احمد على هذه الاستضافة اللطيفة، ما جينة يا ما جينة، هي عبارة عن اغنية رمضانية تذكرنا بأيام الخير، ايام كان الناس يشعرون بأن لا فوارق بينهم، كنا صغار ندق الابواب في رمضان ونصيح، ما جينة يا ما جينة، حل الكيس واعطينا، ليس من جوع ولا من ضمأ ولا من اي شئ، فقط انها كانت طقوس رمضانية جميلة جداً، تشعرنا بحياة يفتقدها عموم الشعب العراقي حالياً، وما جينة هذه استحضرتها وانا استلم جواز لاجئ عراقي في المانيا قالت لي الموظفة حينها، ان هذا الجواز بوسعه ان ينقلك الي كافة انحاء العالم الا العراق، فأنت ممنوع من الدخول الى العراق، وبوسعك ان تتصور كيف كان وقع هذا الكلام على قلبي وانا لا ابتغي الا العراق، وهي تقول كل البلاد مسموحة الا العراق، نعم.
المحاور: اذن هذه القصيدة جائت بسبب معاناة، وهذه المعاناة كانت في المنفى، فجائت هذه القصيدة (ما جينة يا ما جينة) وهو استحضار للمرحلة الطفولية في التراث الشعبي خاصة الرمضانية منة، ولكن اردت ان اركز على هذا السؤال قبل ان ننتقل الى اسئلة اخرى، وهو استحضار الطفولة، استحضار التراث الشعبي وادخاله في القصيدة الفصحى، يعني هذا الشئ لم الاحظه في هذه القصيدة فقط، بل حتى في قصائد اخرى، يعني ارتباط مفيد البلداوي مع التراث الشعبي وادخاله على القصيده الفصحى.
الضيف: هذا الارتباط وثيق جداً بدليل ان كتاباتي كثيرة جداً منذ البداية، كنت استحضر كافة عوالم الطفولة، ليس الطفولة فحسب وانما حتى كل طقوس اللعب- المرح الطفولي- البراءة، استحضرها في الشعر، لكن المسألة صدقني لم ارسم لها طريقاً، وانما كانت عفوية هكذا، تأتي على عفو الخاطر، اريد ان اقول ما معنى ماجينة، قلت كنا نقف على الابواب و نغني هذه الاغنية الرمضانية، فيغدق علينا اصحاب البيوت من مائدة رمضان، لو تصفحت القصيدة الآن، لو جدت فيها ان ما جينة الآن تعني وقوفي انا على بوابة عالم آخر، استجدي، ماذا استجدي؟ استجدي امور من المستحيل ان تكون في يدي، وثمة امور اخرى اعطتنياها ما جينة، لكن اعطتنياها في وقت كان سئ للغاية، اعطتنا مثلاً هذا الرجل الذي ادى بالعراق الى الخراب، ادى بنا الى الشرذمة ادى بنا الى ما لا يوصف،جرائم كثيرة احدثها في العراق. هذا من معطيات ما جينة الموجودة في القصيدة، وليست ما جينة التي استحضرتها من طفولتي، مع اقراني.
المحاور: اذاً اعطيت ابعاد اخرى لما جينه، اشياء اخرى غير التي يطلبها الاطفال عند ما يجتمعون وينشدون هذه الانشودة الرمضانية، بل اخذت هنا معنى اخر، وخاصة هذا المعنى اذا اجتمع مع بقية الأشياء الأليمة، واجتمعت كلها في المنفى، فعندها ستأتي ما جينة يا ما جينة بما فيهم اخرى تختصر المسافات كلها لتعبر عن أسى والم الشاعر في المنفى.
الضيف: اكيد، مثلاً خذ لديك هذا المقطع منها، اعطتنا ما جينة علبة الواناً، فرسمنا طائرة تقصف ورداً ومهيباً، ضيع هيبتنا.
هذه من معطيات ما جينة، ما جينة الحديثة، ما جينة التي ادت بنا الى عالم مرتبك عالم ملئ بالمشاكل، الغربة القاتلة، عالم استرسل فيها واقوال:
وطريقاً للهجرة، كنا اسراباً ترعبها الفزاعة والفزاعة نائمة في ظل غراب لقط حبات الحب واردانا جواليني نغني يا ما جينة طفح بنا الكيل، طفحنا على العالم ، اصبحنا نسير في بقاع الارض في صقاع الارض اجمعها ونصيح: ما جينة يا ما جينة، لكن بطريقه اخرى! لا طفولة فيها، لا يرتجى منها شئ يسر الخاطر، ما جينة القديمة كانت تمثلنا ونحن اطفال، شئ من تراثنا الجميل البرئ، نحن لا نجلس مع عوائلنا على الموائد وعندما ننطلق الى بيوت الحي ونصيح: ما جينة يا ما جينة، فيغدق علينا، و منهم من لا يعطينا شئ، على العكس من الممكن ان يرشقونا بالماء، او من الممكن ان يقولوا لنا: اذهبوا، لا يوجد شئ ونهزج بعده ونقول: بيت اهل الفكر كبوا علينا الماي، هذا من التراث، الآن في نفس القصيدة في نهايتها هناك استحضار لهذه المسألة، عندما قالت تلك السيدة التي اعطتني الجواز: العالم قدامك مفتوح قلت انا: هاتي كي اصبحوا في سكري من سكر النهرين وهاتي في الازمة روحاً للروح. العالم قدامي مفتوح وانا في الرؤيه مجروح، واغني كالطير المذبوح اهل السطوح، تنطونة لو انروح، بيت اهل الفكر كبوا علينا النار.
قديماً كنا نقول: بيت اهل الفكر كبوا علينا الماي، الآن اخذت محور آخر، ان تكب علينا النار من كل الجهات، هذا الاستحضار، استحضار طفولي، براءة، استحضار كل ما فيه خير في وقت لا خير فيه ولا مرجو منه اي شئ.
المحاور: يعني مفيد، اخذتني الآن وكان الشاعر يخرج من بلاده وطفولته، فأذا به يصطدم بعالم آخر، لم يكن الشاعر حاضراً لهذه الصدمة مع عالم آخر يختلف عن عالمه ويسكب عليه النار، بدل الماء.
الضيف: هذا اكيد وانا اؤكد ذلك، يحضرني الآن بيت لشاعر ليبي لا اذكره الآن، ولكن هو يقول ان الغريب مهان حيثما كان، المعنى مطروق، الغربة، كما قلت مرة انها ثوب لا يلبسه الا العراة ، واي عراة ، الآن وانت تخرج لست بسائح ، كي ترى مناطق جميلة وتنعم بحياة هانئة، انت الآن تخرج من بلادك، مقهور- حزين تبحث عن ملجأ آخر، يأويك، تبحث عن حياة اخرى ممكن ان توفر لك الامن والسلامة، فكيف تتوقع ان يتعامل معك العالم، في كل الاحوال انت قد تكون عالة على مجتمع معين، تربطك به قوانين دولية ليس له فيها، وليس لك فيها اي نصيب من الوضع، وضعت هذه القوانين كي تتكفل لك بالحماية، وتقدم لك ما يجعلك تعيش بأمان، اكيد هذا الوضع سيكون مؤثر جداً في الشاعر، خاصة وفي الانسان بصورة عامة، لكن الشاعر يتجاوب مع مثل هذه الحياة تجاوب مذهل، افادتني كثيراً ولكنها اكلتني كما تأكل النار الهشيم، لست وحدي، وانما الكثير من الشعراء، تلاحظ ان الشعراء وخاصة العراقيين منهم، باتوا يخلقون من الغربة اكوان اخرى، يؤهلون الغربة كي تكون اوطان اخرى، يعيشون فيها، لكنهم في النهاية يعودون الى الوطن الام يعودون الى شمة الهواء الاولى، الانسان عندما يخرج الى الدنيا من رحم امه، تدخل الى حواسه رائحة هواء لايجد مثلها قاطبة في كل الكون، اينما ذهب واينما اقام ومتى، ومهما عاش. فأن ذلك الهواء سوف يكون هو الهواء الاول.
المحاور: تحدثنا عن قصيدة ما جينة يا ما جينة، الآن ننتقل الى قصيدة معطف الليل، ايضاً في قراءتي لهذه القصيدة، يتحدث الشاعر مع الجماد وفي نفس الوقت يتحدث مع المنفى، يعنى هل وصل الشاعر في المنفى الى انه لم يعد يخاطب بقصيدته الا الجمادات او الغير انساني، اضافة على دلالات العنوان، معطف الليل وكأنه وحيداً يسير في ظلام يعني المنفى دائماً حاضر في النص الشعري عند مفيد البلداوي.
الضيف: نعم، اخ احمد، فعلاً هو كان معطف الليل، هو كان معطف ليلي، مظلم وشتوي في نفس الوقت، وفي مكان لا يوجد فيه من يسمع الا الجمادات، كان الوقت متأخر من الليل مع من ممكن ان تتحدث وانت تسير في شارع بعد منتصف الليل، في ليله مثلجة، كيف تسهر؟ كيف ستكون سهرتك؟ كيف ستشعر وانت تحت فرو هذا المعطف، الحديث في الغربة، في المنفى مع الجمادات، هو او فى من الحديث مع البشر، لانك تستطيع ان تقول ان هذه الجمادات، ممكن ان تتفهم ممكن ان لا تجيب، قد يكون في صمتها شئ من التفهم، زيادة على هذا، لا يوجد من تتحدث له بكلامك هذا، كي يفهم وتتفاعل معه، فخير الطرق ان تتحدث الى شجرة الى حائط الى بناية، تتحدث الى عمود كهرباء، يضئ وحيداً في الليل.
المحاور: يعني رغم ان هناك اللغو القائم بأن في تلك البلاد وفي المنفى سوف نجد الانفتاح على الآخر، والتواصل الانساني والى آخره ومن ثم يصل الحال بالشاعر ان يخاطب الجماد؟
الضيف: نعم الناس تجد، العالمون يجدون، الاقتصاديون يجدون، الدراسون يجدون لكن الشاعر لايجد، لن تستطيع اوروبا هذه التي يحلم بها المبعدون يحلم بها، الافارقة يحلمون بها، الآسيويون لا تغني ولا تعطي شئ لشاعر يبحث عن وطن، ليس في كل هذا شئ يغينه، يعني مثلما قلت، ممكن ان الناس الاخرين، غير الشعراء،ممكن ان تجد ملذاتها في مثل هذا العالم، ولكن الشاعر لايجد ، الشاعر متعلق بتربة، متعلق بوطن، متعلق بنخلة، تصور وانا ارى نخلة في هذه المدينة التي انا فيها الآن ارى نخلة، لكن نخلة لا اعرفها، تصميمها يشبه النخلة، موضوعة امام مقهى، واقف امام هذه النخلة الطويلة لأن هيكلتها تشبه هيكلة النخلة، ولكن هي ليست بنخلة، اريد ان اتحدث مع هذه النخلة، كل الذين يجلسون حول هذه النخلة لا قيمة للنخلة لديهم، لكن عندي هناك قيمه كبرى احسن ان هذه النخلة ممكن ان تتفهم نظرتي لها.
المحاور: اذاً هذا هو ما دفع الشاعر مفيد البلداوي في قصيدة معطف الليل، او حتى في قصائد اخرى ان يكلم الجماد في المنفى، لأنه يجد بأن هذا الجماد اكثر تفهماً لما يريده الشاعر عندما يريد ان يتحدث، ننتقل الآن الى موضوع آخر وسؤال آخر، يعني كتركيز من جانب مفيد البلداوي، على قصيدة التفعيلة ولكن ايضاً كتبت قصيدة النثر، هل رأيت اختلاف بالنسبة للكتابة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.
الضيف: اريد ان انوه اولاً ان في كتاباتي قد تجد كل الكتابات موجودة: العمودية- النثر- التفعيلة- الخليط بين النثر والتفعيلة، عندي قصائد كثيرة، اكون قد خلطت بين مقطع تفعيلي ومقطع آخر نثري، و تستهويني هذه الطريقة في الكتابة، زيادة على هذا قد تجد الشعر الشعبي.
المحاور: الشعر الشعبي سأعود اليه بسؤال آخر.
الضيف: اقصد انني قد مارست كل انواع الكتابة، في البدء كنت معارضاً جداً لما يسمى بقصيدة النثر ومازلت معارضاً للتسمية، كنص نعم، نص احترمه واحبه واحياناً اجده هو ملاذي، لكن كي يكون قصيدة نثر لحد هذه اللحظة لا استطيع ان اتجاذب مع هذه التسمية.
المحاور: لكن الكثير رأى ان قصيدة النثر اثبتت وجودها رغم كل ما يقال.
الضيف: هو ليس رأي ثبات هي لم تثبت وجودها وانما اقرت وجودها على ركاكة الكثير.
المحاور: اقرت وجودها؟
الضيف: نعم اقرت وجودها، اجبرت الناس على تقبل هذا الكثير الغث، كثير مما يكتب من النثر هو ليس بشئ، وحتي لاسماء كبار، استطيع ان اقول الآن، انا مفيد البلداوي استطيع ان اشهد واقول ان عبد الوهاب البياتي في آخر مراحل حياته، كتب نصوص ليست من الأدب بشئ لكن عدت قصيدة نثر، ليست من الادب بشئ، واغلبها نشرت في اخبار الادب المصرية، نصوص لأسم لامع وكبير ولكنها ليست من الشعر بشئ، قد يكون هذا رأيي الخاص، لكنها ليست شعراً، مالم تلامس شعوري فهي ليست بشعر، انت تنظر الي في عينيك ارى قصيدة، احياناً الستارة تعطيني شيئاً من الشعر، الطباخ احياناً وناره تعطيني شيئاً من الشعر، ولكن هناك كلاماً تأتي من صعصطه، يأتي من كلام فارغ جداً، ويسمى شعر، قصيدة النثر او ما يسمى بقصيدة النثر، تحمل مثل هذه الفحاوي الكثيرة، كلام فارغ ويسمى شعر، لذلك ارجع واقول هي: قالت انا موجودة، رغماً عنكم، رضيتم ام اببيتم، بشكلي هذا، لكن تعال معي، وراع القوانين كي نستخلص ما يسمى منها بنص جميل، وما يسمى منها بهراء.
المحاور: هذا الكلام يعني لا يعمم على جميع القصائد التي كتبت.
الضيف: اكيد انا قلت انه كتب كثيراً، حملت ما لم تتحمل، حملت هذا النص النثري الجميل الرائع والجميل، حمل ما يحمل، هناك كتب ظهرت على النفقة الخاصة، يعني واحد لديه مال، ويحب ان ينشر لا يجد المانع من انه يصدر كتاباً، لكنها خسارة ورق وجد لا اكثر.
المحاور: إذاً هذا ايضاً رأي مفيد البلداوي حول قصيدة النثر، او القصيدة النثرية، وهنالك تسميات كثيرة، ولكن ما اتفق عليه في الآخر هو قصيدة نثر، هذا هو رأي مفيد البلداوي في مثل هذا النوع من الكتابة الشعرية.
الضيف: انا رأيي فيها انها نص، وانا ادافع عن رأيي هذا منذ ان كنت في كلية الآداب في جامعة بغداد، كنت ادافع على انه نص، نص جميل، لا يرقى ان يكون قصيدة، نص نثر جميل، كتابات مصطفى الرافع قد تكون من اجمل قصائد النثر اذا ما اعدت على قصائد النثر، لكن دعني اسميه نص، نص جميل يعطيني شيئاً من الابداع، لكن الكثير، الكثير من تجاوز على هذا النص، وعلى تسمية النص وعلي فحوى النص، ومضمون النص، وكثير من الهراء، حمل هذا النص ما لا طاقه له على حمله.