748
سورة لقمان من الآية 20 الى الآية 24
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمين وصل الله على محمد و اله الطيبين الطاهرين . مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في بداية هذا اللقاء المبارك ننصت خاشعين الى تلاوة الاية العشرين من سورة لقمان.
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴿٢٠﴾
إنتهی بنا الحديث في الحلقة الماضية مع المواعظ الأخلاقية و الإجتماعية و المباديء العقائدية التي قدمها لقمان لابنه. ايات هذه الحلقة تعود بنا إلى المبادىء التوحيدية و هي تخاطب عموم البشر و تشيرإلى خلق السموات و الأرض بشكل تكون في خدمة البشر و تذكر أن لتسخير الكائنات السماوية و الأرضية للإنسان معنى واسعاً يشمل الأمور التي في قبضته و اختياره ويستخدمها برغبته و إرادته في طريق الحصول على منافعه كما تشمل الأمور التي ليست تحت تصرفه و اختياره لكنها تخدم الانسان بأمر الله جل ولا كالشمس و القمر. و بناء على هذا فإن الكائنات مسخرة بإذن الله لنفع البشر سواء كانت مسخرة بأمر الانسان أم لا.
اضافة إلى النعم المادية التي تلبي حاجات الإنسان الجسدية و المادية فإن الله تعالی اهتم بالحاجات الفكرية والروحية لدی البشر و قد أرسل الأنبياء و أنزل معهم الكتاب و الحكمة لتلبية تلك الحوائج و تعبيد الطريق أمام الوصول الى الرشد و الكمال. و لكن ماهو موقف الإنسان تجاه شكر هذه النعم المادية و الروحية؟ هو أن يقوم البعض من الناس بالمجادلة حول وجود الله تعالی دون امتلاك بينة علمية أو عقلية.
تشير الاية المباركة الی نقاط مهمة منها:
كل ما خلقه الله تعالی كان لهدف و هو لكي يستفيد منه الانسان
على الرغم من سعة النعم الألهية و وفرتها فإن الانسان يجادل في الله تعالی و هذا نوع من كفران نعم الله تعالی
الجدال المنطقى أمر حسن و لكن الجدال بغير علم و بعيداً عن هدي الله تعالی و بما يخالف كتاب الله امرمذموم.
والان ايها الكرام نستمع متأملين الى الاية 21 من سورة لقمان المباركة:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴿٢١﴾
تطرقت الاية السابقة الى اولئك الذين يجادلون ويثيرون الشكوک و الشبهات في الله تعالى دون علم و دليل منطقي و في هذه الاية نجد السبب المؤدي بهؤلاء ليسلکوا تلك الخطوة و یثيروا تلك الشبهات فليس السبب سوی التزامهم بعادات و تقاليد اباءهم و اجدادهم. فهؤلاء ليسوا مستعدين لتلقي الهدي الالهي بدلا من تمسكهم الأعمی بعقائد اباءهم و تقاليدهم الباطلة.وهذا تمسك باطل و يؤدي بهم الى جهنم كما يُفعل هذا بآبائهم.
نستلهم من الاية المباركة بعضا من الدروس هي:
من نماذج الجدال الباطل التعصب للمعتقدات لدی الاباء و الأجداء
لا شك ان للبنية و المجتمع و التاريخ تأثيراعلى اختيار الفرد لطريقته في الحياة و لكن على الانسان ان يتبع العلم و العقل والوحي ليحترز بها عن أي انحراف يقع في البيئة و المجتمع
يعمل الشيطان باستمرار على دعوة الانسان الى الباطل و هذا ما يستنتج من قوله تعالی " كان الشيطان يدعوهم" و فعل يدعوهم يدل على الاستمرارية کما هو واضح .
احباءنا تعالوامعاً ننصت خاشعين الى تلاوة الاية 22 الى 24 من سورة لقمان:
وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿٢٢﴾
وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ۚ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٢٣﴾
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٢٤﴾
مستمعينا الكرام تأتي هذه الايات لتقسم الناس الى قسمين من حيث موقفهم أمام الدعوة الالهية. القسم الاول: المومنون الخلص الذين يتمسكون بحبل الله المتين و هم قد عرفوا و ميزوا الطريق السوي في القيام بالصالحات من الاعمال والإحسان الى خلق الله تعالی حيث ینتظرهم حسن العاقبة و القسم الثاني هم اولئك الذين أهتمهم أنفسهم و اتبعوا الشهوات وباعوا حظهم في الاخرة مقابل متاع الدنيا و صرفوه في الاثم و البغي و العدوات فليس مصيرهم الا النار.
الاية تشير إلى تألم النبي و حزنه على الجاهلين العنودين الذين يتركون سبيل الله بالرغم من الدلائل البينة و العلامات الواضحة و هم يسلكون سبيل الغي و الضلال و كان يغتم (ص) الى درجة أن الله تعالى كان يسلي خاطره عدة مرات. و هذا هو دأب المرشد و القائد الحريص المخلص.
نستلهم من الايات تعاليم و ارشادات منها:
لقد أسلم كل شىء في عالم الوجود لله تعالی و قد جعل الله الكائنات في خدمة الانسان فما الداعي الى ان يرفض الانسان الاستسلام لامر الله تعالی؟
ورد في الروايات ان مودة الانبياء و الائمة المعصومين و طاعتهم هي العروة الوثقی التي بها تكتب للانسان النجاة.
التسليم لغير الله فيه عبودية وذل و استخفاف و لكن التسليم الله فيه الحرية و الصواب و الرشد.
ان التسليم المطلق الله تعالی و العمل الصالح هو الذي ينجي الانسان يوم القيامة حيث لا ينفعه المقام و المنزلة و لا الاصدقاء و النسب و غير ذلك.
ها نحن مسمعينا الكرام وصلنا الى ختمام حلقة اخری من سلسلة حلقات نهج الحياة كلنا امل في تجعل من القران الكريم نهجا مطبقاً في سيرتنا وسلوكياتنا، آمين يارب- و آخر دعوانا ان الحمدلله رب العالمين.