759
سورة الأحزاب من الآية 9 الى الأية 12
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله الذي جعل القران ضياء ونورا وهدى للعالمين وصلی الله على أشرف الخلق أجمعين محمد واله الطاهرين. نحن معكم في حلقة جديدة من برنامج نهج الحياة لنستنير بهدي الايات التاسعة حتى الثانیة عشرة من سورة الاحزاب المباركة. في البداية نصغي إلى تلاوة الاية التاسعة خاشعين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٩﴾
إنّ هذه الآية تشیر إلی أحد أهمّ حوادث تاريخ الإسلام، أي عن "معركة الأحزاب"، تلك المعركة التي كانت في الواقع مفصلا رئیسا في تأريخ الإسلام، وقلبت موازين القوى بين الإسلام والكفر لصالح المسلمين ؛ لقد اُشعلت شرارة هذه الحرب من قبل مختلف طوائف الیهود و هي "بني النظير" وقبيلة "غطفان" و"بني أسد" و "بني سليم"، و قد اتفق جمیعهم على أن يقضوا على الإسلام إلى الأبد، ويقتلوا النّبي (ص)، ويقضوا على المسلمين، ويغيروا على المدينة ويطفئوا نور الإسلام .
أمّا المسلمون الذين رأوا أنفسهم أمام هذا التحالف الجرّار، فقد إجتمعوا للتشاور بأمر النّبي (ص)، وقبل كلّ شيء أخذوا برأي الصحابی الجلیل "سلمان الفارسي" وحفروا حول المدينة خندقاً حتّى یحولوا دون العدو و یمنعوه من الهجوم علی المدینة ولهذا كان أحد أسماء هذه المعركة "معركة الخندق". إلا أنّ الله سبحانه أراد أن ينزل هنا آخر ضربة بالكفر، ويميّز صفّ المنافقين عن صفوف المسلمين، ويفضح المتآمرين، ويضع المسلمين الحقيقيين في موضع الإختبار العسير.
يلخّص القرآن الكريم معرکة الاحزاب في آية واحدة أوّلا، ثمّ يتناول تبيان خصوصياتها في الایات اللاحقة فيقول: (ياأيّها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً) اجل إن الله بصیر بأعمال كلّ جماعة وما قامت به في هذا الميدان الكبير لتنتهي المعرکة بإنتصار المسلمين فقد هبّت بأمر الله عاصفة هوجاًء أقلعت خيام الكفّار وأتلفت وسائلهم، وألقت في قلوبهم الرعب الشديد، وأرسل سبحانه قوى الملائكة الغيبية لعون المسلمين.
ترشدنا الایة المبارکة لبعض لدروس منها :
إن الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله هما من أسباب تلقي العون الإلهي في مختلف مجالات الحياة.
إن استذكار النعم الإلهية السابقة هو وسيلة للثبات والصبر على المشاكل التي تعترض طريق الإنسان.
إن الله تعالى يمد يد العون للذين آمنوا في الحياة الدنيا. و هذا العون يتجسد أحيانا في الظواهر المادية كالرياح والعواصف أو الظواهر المعنوية مثل نزول الملائكة.
إن اعتقاد المرء بأن الله ينظر إليه وهو عليم بما يصدر منه من فعل أو نية فهذا الاعتقاد يضبط سلوك الانسان و يشجعه على مواصلة الطريق لانه بعين الله .
و الان أيها الأكارم دعونا ننصت إلى تلاوة الأية 10 و11 من سورة الاحزاب:
إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّـهِ الظُّنُونَا ﴿١٠﴾
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴿١١﴾
جاءت هذه الآيات لترسم للقارئ معالم معركة الاحزاب حيث مرّت لحظات صعبة وخطرة جدّاً على المسلمين، وكانت القلوب قد بلغت الحناجر، وكان المنافقون من جهة اُخرى قد شمّروا عن السواعد وجدّوا في تآمرهم على الإسلام، وكذلك عدید قوات الأعداء وقلّة عدد المسلمين – بحیث ذكروا أنّ عدد الكفّار كان عشرة آلاف، أمّا المسلمون فكانوا ثلاثة آلاف ، کذلک إستعداد الكفّار من ناحية المعدّات الحربية وتهيئة كافّة المستلزمات، كلّ ذلك قد رسم صورة مقلقة للمصير المجهول الذي کان یتنظره المسلمون .و أما المنافقون فأولئك لم يكونوا يؤمنون بالوعود الإلهية و البشارات النبوية في غلبة الحق على الباطل و بقاء شمعة الإسلام مضيئة إلى الأبد .
مثلت هذه الظروف الحرجة اختبارا الهيا كبيرا يميز بين المؤمنين بالوعود الالهية والمكذبين بها الذين أصيبوا بالذعر والخوف والقلق على حياتهم عندما شاهدوا ذلك الزحف الكبير من قبل اعداء الإسلام .
نتعلم من هذه الايات دروسا منها:
ینبغي على المسلمين أن يكونوا دوما مستعدين وعلى أهبة الاستعداد للحفاظ على حدود بلادهم أمام مؤامرات الأعداء و محاولاتهم للتسلل إلى داخل البلاد.
تعتبر ساحات المعركة والحروب من أصعب الاختبارات الالهية بحيث إن يكن الإنسان غافلا فيها لاصيب بضعف الإيمان والقلق النفسي.
يتميز المؤمن الحقيقي عن غيره إثر الظروف الصعبة و المشاكل الحياتية لانه يصبر عليها بكل عزم وثبات.
آما الان ننصت إلى تلاوة الأية 12 من سورة الاحزاب:
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴿١٢﴾
أشارت الاية السابقة إلى ضعف الإيمان لدى البعض من المؤمنين في معركة الاحزاب . أما هذه الأية تشير إلى جذور هذا الضعف و الوهن في إيمانهم بالوعد الإلهي . حيث تؤكد الاية أن هؤلاء لم يكونوا سوى منافقين ادعوا الاسلام و لم تؤمن قلوبهم حقا . و هناك صنف آخر اهمتهم انفسهم وكانت الدنيا قد حليت في أعينهم الأمر الذي صدهم عن الجهاد في سبيل الله ؛ فهؤلاء لم ينسحبوا من المعركة فحسب بل حثوا الاخرين على الانسحاب منها إذ قالوا " مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا " أي أن رسول الله (ص) قد خدعنا لکی ننصره علی أعدائه .
تشیر الآية إلى تعاليم مهمة منها:
إن النفاق خطر يهدد المجتمعات الاسلامية دوما و هذا يتطلب المعرفة الدقيقة و التهيأ لمواجهته .
يحاول المنافقون تحويل المجتمع الاسلامي إلى مجتمع محبط وقنوط لانهم يبثون حالة اليأس فيما بين المسلمين تجاه مؤامرات الاعداء .
لم يكن صحابة النبي الأكرم (ص) كلهم موالين ومؤمنين على السواء بل كان فيهم المؤمن والمنافق ومن في قلبه مرض .
ايها الكرام نكتفي بهذا المقدار من الحديث عن تعاليم الايات التاسعة حتى الثانیة عشرة من سورة الاحزاب المباركة عسى ان نوفق في الحلقة القادمة من برنامج نهج الحياة ان نواصل استعراض الايات التالية من هذه السورة المباركة . حتى الملتقى نستودعكم الله و السلام عليكم ورحمة الله.