786
سورة سبأ من الآية 48 الى الآية 54
بسم الله الرحمن الرحیم الحمد لله رب العالمین صلی الله علی سيدنا محمد وآله الطاهرين .. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . معكم أيها الأحبة في حلقة أخرى من برنامج نهج الحياة للتأمل عند الأيات الختامية من سورة سبأ المباركة .. نشنف الأسماع بتلاوة الايتين 48 و49 من هذه السورة المباركة:
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿٤٨﴾
قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴿٤٩﴾
استکمالا للحدیث الذي جرى في الحلقة الماضية حول حقّانية دعوة الرّسول الأكرم (ص)، تشیر هذه الآية إلی حقیقة أنّ القرآن غير قابل للإنكار لأنّه ملقى من الله سبحانه وتعالى على قلب الرّسول (ص): (قل إنّ ربّي يقذف بالحقّ علاّم الغيوب).
والمقصود بـ "بالحقّ" في الأية المباركة هو الكتب السماوية والوحي الإلهي على قلوب الأنبياء والمرسلين، ولأنّه سبحانه وتعالى هو علاّم الغيوب، فهو يعلم بالقلوب المهيّأة، فينتخبها ويقذف الوحي فيها حتّى ينفذ إلى أعماقها.
لقد سمع الناس قول الحق من خلال رسالة الانبياء والدعوة إلى القيم الالهية و قد تبين أن كل دعوة سوى دعوة الانبياء (ع) هي دعوة إلى الباطل الذی لا أساس له ولا بقاء ولا قدرة . و هكذا هو الكفر والشرك بالله تعالى الذان لا ثبات لهما أما منطق التوحيد . صحيح أنّ للباطل جولات وصيت إلى الآن، وهو يسيطر على مناطق كثيرة في العالم إلا أن هذا الوضع لن يدوم وستنتهي غلبة الجور والباطل أسرع مما كانوا يتصورن
نستلهم بعضا من المعانی من هاتین الایتین نذکر منها ما یلی:
إن الله هو الحق المبين وكل ما جاء من عند الله فهو حق وأن ملاك تقييم حقيقة الاشياء هو الفکر والعمل الالهی .
إن الحق منتصر على الباطل أخيرا ولا يقوى الباطل من الصمود أمام الحق أبدا .
إن مبدء الكون ونهايه أمره بيد الله تعالى وفيما بين البداية والنهاية يصول الباطل ويجول ولكن دون جدوى و ستذهب كالزبد على سطح مياه البحر .
والان نستمع إلى تلاوة الاية 50 من سورة سبأ المباركة:
قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴿٥٠﴾
تؤکد الاية أنّ ما يقوله النبي (ص) هو من الله، وأنّ كلّ هداية منه، وأن ليس هناك أدنى خطأ أو نقص في الوحي الإلهي،قائلا : قل إن ضللت فإنّما أضلّ على نفسي وإن إهتديت فبما يوحي إليّ ربّي).و معنا ذلك إنّني لو اتّكلت على نفسي فسوف أضلّ، لأنّ الإهتداء إلى طريق الحقّ من بين أكداس الباطل ليس ممكناً بغير إمداد الله، ونور الهداية الذي ليس فيه ضلال وتيه هو نور الوحي الإلهي.
تعلمنا الایة دروسا هدایة کبیرة منها:
إن الاثار والتدعيات المترتبة على هداية الانسان أوضلالته ستلاحقه قبل غيره .
إن الله الذي خلق الانسان هو أعلم بما ينفعه ويضره فالهداية بمعنى الكلمة هي من الله الذي لا يغفل عن حال عباده أبدا .
والان احبائنا نستمع الی تلاوة الايتين 51 و52 من سورة سبأ المباركة:
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴿٥١﴾
وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٥٢﴾
تصوّرهذه الايات حال تلك المجموعة الطاغیة عند وقوعها في قبضة العذاب الإلهي، كيف تفكّر في الإيمان، حين لا يكون لإيمانها أدنى فائدة. إنّ هؤلاء الأفراد الكافرين والظالمين، لا يمكنهم الفرار من يد القدرة الإلهيّة لیس هذا فحسب، بل إنّ الله سبحانه وتعالى يأخذهم بالعذاب من مكان قريب منهم جدّاً. اما الآية التالیة ، تعرض حالهم بعد أن أخذهم العذاب الإلهي (أنّى لهم التناوش من مكان بعيد).
نعم فبحلول الموت وعذاب الإستئصال تغلق أبواب العودة كليّاً، ویحال كالسدّ المحكم بين الإنسان وبين أن يكفّر عن ذنوبه، لذا فإنّ إظهار الإيمان في ذلك الحين، وهو إيمان إضطراري بسبب الخوف الشديد من العذاب الذي یشاهده هناك، مثل ذلك الإيمان أصلا لا قيمة له.
و مما تعلمناه من الایتین:
إن التوبة وتصحيح الفكر والمبادئ أمر يتحقق في الدنيا فلا مجال لذلك في الاخرة .
من البديهي أن الكفار سيرتعدون عندما يشاهدون العذاب بأم أعينهم فيؤمنون إلا أنه إيمان من خوف وعن اضطرار.
واخيرا نستمع إلى تلاوة الايتين الاخيرتين 53و54 من هذه السورة المباركة:
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ۖ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٥٣﴾
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ ﴿٥٤﴾
هنا تتساءل الایة كيف يستطيعون فی یوم القیامة وبعد أن انتهى كلّ شيء، أن ينبروا لجبران خطاياهم ويؤمنوا، في حين أنّهم قبل هذا كفروا مع أنّهم كانوا يتمتّعون بالإختيار والإرادة . ولم يكتفوا بالكفر فقط، بل إنّهم ألصقوا بالرّسول (ص) وبتعاليمه مختلف أنواع التّهم، وبالتالي في لحظة مؤلمة، یفصل بينهم وبين كلّ ثرواتهم وأموالهم، فكيف سيكون حالهم؟
والی ما نستلهمه من الايتين هاتين:
یفتقد الكفر لمبدء علمي وعقلي يعتمد عليه بل إن أصحابه يعتمدون على الظنون.
إن الملذات الدنيوية تفنى و تنتهي يوماما و أصحابها كرامي السهم في ظلام الليل.
الأكارم وصلنا إلى ختام هذه الحلقة من برنامج نهج الحياة استمتعم له من طهران ... حتى الملتقى نستودعكم الله والسلام عليكم.